عندما نبهت في مقال سابق إلى خلو اللغة العربية من أصل للفظ "أمي" وما اشتق منه ("أمية" وأميون") ورجحت أن تكون هذه الكلمة معربة ... لم أكن أتحدث جزافاً؛ بل لقد كان ذلك عندي نتيجة بحث واستقصاء ترتب عنهما موقف نقدي لتلك الفكرة التي تلقيتها (لست أدري كيف ومتى!) والتي تربط اسم "الأمي" والمصدر الاصطناعي "الأمية" بعدم المعرفة بالقراءة والكتابة، وهو المعنى الذي نستعملهما فيه إلى اليوم دون أن يكون لهذا الاستعمال أصل في اللغة العربية يسنده، سوى ما جرت عليه العادة. والعادة في مجال اللغة والفكر قتَّالة. فكم من كلمات نستعملها دون أن نكلف أنفسنا السؤال عن أصلها ومصدرها، وكم من فكرة نتمسك بها دون أن نعي أننا لا نعرف لها أصلاً، بل كم من لفظ نستعمله في لغتنا العربية القديمة/ الجديدة دون أن ننتبه إلى أننا نُحمِّل ذلك اللفظ معنى لا أصل له في اللغة. نعم، العادة والاستعمال من المرجعيات الأساسية في كل لغة، ما في ذلك شك. لكن ليس هذا شأن لفظ "الأمي". فهذا اللفظ –مفرداً وجمعاً- مصطلح قرآني خاص. دليل ذلك أن أياً من المعاجم العربية لم تذكر شاهداً من الشعر أو النثر العربي قبل الإسلام ورد فيه لفظ "الأمي" بمعنى عدم المعرفة بالقراءة والكتابة. كل ما فعلته تلك المعاجم هو أنها حاولت أن تجد لهذا اللفظ القرآني صلة مع لفظة "الأم" لكونه منسوباً إليها. ذلك ما فعله اللغوي أبو إسحق الزجَّاج الذي نقل عنه صاحب "لسان العرب" أنه قال: "معنى الأُمِّيِّ الـمَنْسُوب إِلـى ما علـيه جَبَلَتْه أُمُّه أَي لا يَكتُبُ، فهو فـي أَنه لا يَكتُب أُمِّيٌّ، لأَن الكِتابة هي مُكْتَسَبَةٌ فكأَنه نُسِب إِلـى ما يُولد علـيه، أَي علـى ما وَلَدتَه أُمُّهُ علـيه". وواضح أن هذا مجرد تأويل! وهو في نظري تأويل ضعيف. ذلك أن الزجاج توفي سنة 310 هـ، فليس هو من جامعي اللغة، فعصر جمع اللغة كان قد انتهى وجاء بعده عصر "الكلام" في اللغة والعقائد... الخ. والزجَّاج "متكلم" فيهما، والمتكلم "مؤوِّل"، صاحب مذهب! فهو عندما يشرح معاني ألفاظ القرآن، كلفظ "النبي الأمي"، يفعل ذلك ليس كلغوي فحسب بل كمتكلم أيضاً. ويبدو أنه لم يسبق أحد من اللغويين أن فسر لفظ "الأمي" بما فسره به الزجاج. دليل ذلك أن صاحب "لسان العرب" قد نسبه إليه وحده. وإذن فتأويل لفظ "الأمي" بعدم المعرفة بالقراءة والكتابة حدث في عصر لا يعد علماؤه مرجعاً في اللغة. لكن بما أن هذا اللفظ قد وُصِف به النبي في القرآن ("النبي الأمي") فقد حُمِّلَ ذلك المعنى الذي أعطاه له الزجاج، ومن ثم استقر في أذهان الناس أن رسول الإسلام عليه الصلاة والسلام كان "أمياً" بمعنى أنه "لا يقرأ ولا يكتب". وبسرعة وظف هذا الفهم في تأكيد كون القرآن معجزة له لكونه تحدى خصوم الدعوة المحمدية أن يأتوا بسورة مثله فعجزوا، بينما جاء به هو، عليه الصلاة والسلام، وهو "لا يعرف القراءة والكتابة". حصل ذلك في عصر انشغل فيه المتكلمون والبلاغيون بمسألة إعجاز القرآن. وهكذا صار تأويل الزجاج لكلمة "أمي"، في خدمة "المذهب" الكلامي البلاغي، لا بل في خدمة "المقدس" أيضاً، الشيء الذي جعل فكرة كون "الأمي" هو من لا يعرف القراءة والكتابة، تتحول إلى واحدة من الأفكار المسماة بـ"الأفكار المتلقاة"، idées reçues, received ideas، أي الأفكار التي يسلم بها الناس بدون فحص ولا نقد، ودون أن يعوا أن علاقتهم المعرفية بها مبنية على مجرد التسليم. وهكذا صار من الصعب قبول المس بها لأن "الأفكار المتلقاة" تصوغ عالم المتلقي لها، وذلك إلى درجة أن هذا الأخير يقوم بصورة آلية برد فعل سلبي رافض أمام كل نقد يمسها، وكأنه يخاف أن ينهار عالمه ذلك. وأمام غياب أصل لغوي للفظ "أمي" ذهب كثير من المتأخرين مذاهب مختلفة في البحث عن أصل مرجعي قرآني للفظ "أمي" في القرآن نفسه، خارج تأويل الزجاج الذي لا يستقيم مع كثير من الآيات التي ورد فيها هذا اللفظ، كما بينا في مقال سابق. قال بعضهم: إن المقصود بـ"الأمي" في قوله تعالى "النبي الأمي" أنه المنسوب إلى "أم القرى" (مكة) وأن "الأميين" هم أهلها، وذلك استناداً إلى قوله تعالى: "وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا" (الأنعام 92)، وقال آخرون إن النسبة في "النبي الأمي هي إلى "أم الكتاب"، لقوله تعالى عن القرآن "وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ" (الزخرف 4). وهكذا صارت كلمة "أمّ" مرجعاً للفظ "أمي"، سواء قصد بها "الأم" في مقابل الأب، أو "الأم" بمعنى أصل الشيء أو.. أو.. والحق أن لفظ "أمّ" بهذا المعنى قد صار يشكل عائقاً معرفياً! ذلك ما يفسر كون العقل المكبل بـ"الأفكار المتلقاة" لا يعير أي اهتمام لآراء علماء في اللغة في مستوى الزجاج مثل الفرا الذي قال:" الأميون: "هم العرب الذين لم يكن لهم كتاب"! هذا مع أن الفرا (أبو زكريا يحي بن زياد) كان أحق أن يُتبع، بدلاً من الزجَّاج. ذلك لأن الفراء سبق الزجاج بقرن من الزمن (توفي سنة 207 هـ) وألَّف عدة كتب من بينها "كتاب معاني القرآن" الذي قال فيه اللغوي المشهور أبو العباس ثعلب: "لم يعمل أحد قبله ولا أحسب أن أحداً يزيد عليه". وذلك ما يفسر أيضاً كون العقل المكبَّل بالأفكار المتلقاة لا يعير أي انتباه لكون علماء كبار، مفسرين وفقهاء، قد ترددوا في قبول تأويل الزجاج، وأخذوا برأي الفرا، فجعلوا لفظ "الأمي" منسوباً، لا إلى "الأم"، بل إلى "الأمة"، وبالتالي إلى "الأمم" التي ليس لديها كتاب منزل. وقد يندهش بعض القراء –ربما- إذا قلنا إن الفقيه العالم المحقق ابن تيمية قد اختار هذا الرأي، رأي الفرا. وهذه نصوصه، قال: "الأميون نسبة إلى الأمة. قال بعضهم‏:‏ إلى الأمة وما عليه العامة. فمعنى الأمي‏:‏ العامي الذي لا تمييز له. وقال الزجَّاج‏:‏ هو على خلق الأمة التي لم تتعلم فهو على جبلته، وقال غيره‏:‏ هو نسبة إلى أمه، لأن الكتابة كانت في الرجال دون النساء؛ ولأنه على ما ولدته أمه‏".‏ ويضيف الشيخ ابن تيمية معترضاً على هذا الرأي قائلاً: "والصواب‏:‏ أنه نسبة إلى الأمة، كما يقال‏:‏ عامي نسبة إلى العامة التي لم تتميز بما تمتاز به الخاصة، وكذلك هذا (يعني الأمي) لم يتميز عن الأمة بما يمتاز به الخاصة من الكتابة والقراءة". ثم أضاف: "ويقال‏‏ الأمي لمن لا يقرأ ولا يكتب كتاباً، ثم يقال لمن ليس لهم كتاب منزل من اللّه يقرؤونه وإن كان قد يكتب ويقرأ ما لم ينزل، وبهذا المعنى كان العرب كلهم أميين، فإنه لم يكن عندهم كتاب منزل من اللّه، قال اللّه تعالى‏:‏ ‏"‏وَقُل للَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهْتَدَواْ‏"‏ ‏(‏آل عمران‏:‏ 20) وقال‏:‏ ‏"‏هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ‏"‏‏ (‏الجمعة‏:‏ 2‏)‏، وقد كان في العرب كثير ممن يكتب ويقرأ المكتوب، وكلهم أميون(...) فالمسلمون أمة أمية بعد نزول القرآن وحفظه". وقال ابن تيمية في معنى "الأمي" في قوله تعالى‏:‏ "‏فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ‏"‏ ‏(‏الأعراف‏:‏ 158‏): "هو أمي بهذا الاعتبار؛ لأنه لا يكتب ولا يقرأ ما في الكتب (يعنى التوراة والإنجيل)، لا باعتبار أنه لا يقرأ من حفظه، بل كان يحفظ القرآن أحسن حفظ". وفي معنى قوله تعالى: ‏"‏وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ‏"‏ يقول ابن تيمية: "والكتاب هنا المراد به‏:‏ الكتاب المنزل، وهو التوراة؛ ليس المراد به الخط، فإنه قال‏:‏ "‏‏َّوَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ"‏ (‏البقرة‏ ‏78‏)‏، فهذا يدل على أنه نُفي عنهم العلم بمعاني الكتاب"(...)، ‏"وهؤلاء وإن كانوا يكتبون ويقرؤون فهم أميون من أهل الكتاب، كما نقول نحن لمن كان كذلك‏:‏ هو أمي، وساذج، وعامي، وإن كان يحفظ القرآن ويقرأ المكتوب إذا كان يعرف معناه"‏.‏ (تفسير سورة الإخلاص. فتاوى ابن تيمية ص 435. مطبعة المعارف. الرباط). هل تحررنا من "العائق" اللغوي الذي وضعه الزجَّاج دون أن يقصد ذلك (لأنه كان يريد الشرح والبيان، أي إزالة عائق الجهل، فاجتهد فأخطأ، والمخطئ في هذا المجال، وبهذا القصد، غير ملوم؟!). مهما يكن، فليس تأويل الزجَّاج لمعنى "النبي الأمي" هو وحده الذي يجب التحرر منه. هناك عوائق أخرى من هذا القبيل!