ربما لم يواجه العرب خلال القرنين الماضيين مسألة أشد تعقيداً وصعوبة وحيرة من سؤال العلاقة مع الغرب. هو ذات السؤال, وهي ذات الحيرة لا يكفان عن تحدي أجيال المثقفين والسياسيين العرب عبر عقود. من لحظة أن وطئت جيوش نابليون أرض مصر في 1798, إلى الآن، والعلاقة مع الغرب في التباس بين مد الحروب وجزر التثاقف. الغرب هو المستعمر الباطش, مسيِّر الجيوش الطامعة في جغرافيا المنطقة, ومطلِق الحضارة المتحدية لتاريخها, والناهب لخيراتها بلا حساب. والغرب هو أيضاً مصدر الحداثة, والعلم, والمدنية, والتكنولوجيا, والتنظيم السياسي والاجتماعي الحديث. في عواصمه تُصنع السياسات الكبرى التي شكلت وجه البلدان العربية, وتحكَّمت وما زالت تتحكم في حاضرها, وإلى ذات العواصم تتجه جحافل العرب ذهاباً وإياباً, تعلماً, وتسيساً, وتثقفاً, ورغبة في الالتقاط والتقليد. إليه جاء من تحالفوا معه, وإليه جاء من ناضلوا ضده. في مدنه وجامعاته وجمعياته انتشر قوميو العرب, ويساريوهم, وإسلاميوهم, وملكيوهم, وجمهوريوهم, كل اتخذ في هذه الحقبة الزمنية أو تلك موقع قدم, أو منبر صحيفة, أو مقر حزب. وفي اقتصاده وثقافته وسياسته دأب جريان ما يستفز فكر العرب وسياستهم وهويتهم ودينهم. هي إذن علاقة ملتبسة اختلطت فيها الكراهية بالإعجاب, المقاومة بالانهيار, والكبرياء بالتسليم. مثقفو العرب, وتلاهم بقية شرائح المجتمعات, وقفوا بين داعية لانتهاج نهج الغرب وتقليده نصاً وممارسة, وداعية إلى قطيعة تامة ترفع دروع المناعة الثقافية, وداعية لاقتباس ما يتوافق وترك ما لا يتوافق مع "الأصالة والهوية والتراث". منذ مطالع القرن الثامن عشر, وحتى مطالع القرن الحادي والعشرين والدعاة الثلاثة هم ذاتهم, والخيارات الثلاثة هي ذاتها: الاتباع المطلق, والرفض المطلق, والاقتباس الانتقائي. قرنان من الزمان والسؤال القلق هو هو, وخلاصات الإجابات هي هي, فشل يتلوه فشل بلا مقدمات ولا تزويق. هشام شرابي المفكر الفلسطيني الذي رحل قبل عامين كتب في سبعينيات القرن الماضي كتابه المهم "المثقفون العرب والغرب", محاولاً استكناه توجهات مفكري ومثقفي ما سمي بعصر النهضة العربية إزاء الغرب. وبعده تنوعت كتابات كثيرين في نفس الحقل, تبحث جلها في المسألة شبه المستعصية: ما هي العلاقة التي يجب نسجها مع الغرب, في وقت لم تنحسر عنا جيوشه, ولم تتوقف ضدنا تدخلاته, لكن في ذات الوقت تفاقمت حاجتنا إليه ورغبتنا في التعلم منه. مؤخراً أعاد رشيد عناني, أستاذ الأدب العربي في جامعة إكستر البريطانية, طرح السؤال مجدداً, وهذه المرة من منظور الأدباء والروائيين العرب, في كتاب بالإنجليزية حمل عنوان "تمثلات العرب للغرب: مواجهات شرقية- غربية في الرواية العربية". وفي جهد موسوعي حقيقي يبحر عناني في رحلة يبدؤها مع عبدالرحمن الجبرتي من منتصف القرن الثامن عشر وحتى حنان الشيخ وأهداف سويف وغادة السمان. ويقرأ كيف نظر عشرات الأدباء والكتاب العرب إلى الغرب والعلاقة الملتبسة معه. ويقسم عناني رؤى الكتاب والأدباء العرب على مدار قرنين من الزمان وفق تحقيب زمني مفيد يمتد على اتساع ست مراحل. المرحلة الأولى هي ما قبل الاستعمار, أي قبل وصول نابليون إلى المشرق العربي وفيها يتعرض لإنتاج أدباء من مثل أحمد فارس الشدياق, ورفاعة الطهطاوي, ومحمد بيرم التونسي, ونيقولا الترك. والمرحلة الثانية هي مرحلة الاستعمار وكيف انعكست على رؤى الكتاب والمثقفين العرب وانتقلت وسجلت في آدابهم. ومن الأسماء التي غطاها في هذه المرحلة محمد حسين هيكل, حسين فوزي, شكيب الجابري, أحمد أمين, توفيق الحكيم, طه حسين, لويس عوض, سهيل إدريس. والمرحلة الثانية هي مرحلة ما بعد الاستعمار وتنقسم عملياً إلى مرحلتين: الأولى فيها مواجهة افتخارية ضد الاستعمار, والثانية فيها مواجهة أكثر تواضعاً حيث الاعتراف بالهزيمة والفشل في مواجهته أو مكافحة الغرب. أما المرحلة الخامسة فهي حديثة وصنفها عناني بأنها المواجهة مع أميركا, والسادسة والأخيرة خصصها لمواجهات ونظرة الكاتبات والأديبات العربيات للغرب. عبر هذه الحقب جميعاً, ثمة عناصر مشتركة وأخرى مختلفة إلى حد جمعت وفرقت بين رؤى الأدباء والمثقفين العرب إزاء الغرب. ولعل العنصر الأهم والمثير الذي رصده ووثقه عناني في كتابه المهم هو تفريق هؤلاء, تقريباً, في غالبيتهم الكاسحة بين الغرب المستعمر المتوحش, وبين الحداثة الغربية والمنجز الحضاري الغربي. ففي حين كان الموقف قوياً ومقاوماً للغرب المستعمر, فإن الموقف من الغرب الآخر كان مغايراً, ومتقبلاً, وينزع إلى التعلم والاقتباس. الأمر الآخر الذي لا يقل أهمية ويعتبر عنصراً مشتركاً في هذه الرؤية هو عدم نظرة الأدباء والكتاب العرب للغرب والغربيين نظرة انتقاصية عنصرية, وكأنهم من طبيعة بشرية مختلفة. وهي النظرة التي نظر بها كثير من المستشرقين للشرق والعرب وللمجتمعات غير الغربية بشكل مجمل. لكن اختلفت نظرات هؤلاء الأدباء تبعاً للحقب والمراحل الزمنية التي كانوا يعيشونها, وخاصة لجهة وطأة الاستعمار الغربي وتمثلاته في الواقع العربي. ففي حين كانت النظرة في حقبة ما قبل الاستعمار تتصف بالرغبة الفائقة للتعلم من الغرب باعتباره مصدر التنوير والعلم والحضارة, فإن مرحلة الاستعمار المباشر شهدت خفوتاً للأصوات الداعية لتقليد الغرب والسير على نهجه. بل إن القراءات الناقدة للغرب وثقافته وحضارته بكونها حضارة مادية على الضد من حضارة الشرق الروحية القيمية (مثل "عصفور من الشرق" و"عودة الروح" لتوفيق الحكيم) هي التي سادت وسيطرت على النهج العام لإدراك الغرب. لكن في مراحل لاحقة, وخاصة ما بعد الاستعمار المباشر, وخلال حقب الاستقلال تطورت نزعة ناقدة للذات ومغرقة في التمثل بالغرب إلى درجة قادت إلى ردات فعل معاكسة. وتمحورت هذه النزعة حول نقد التخلف العربي والتقاليد وعدم الانعتاق من الأنماط الاجتماعية المعيقة للتطور والانتفاح واعتبار ذلك كله مرتبطاً بعدم عقلانية الشرق مقارنة بعقلانية الغرب وإمبريقيته. ثمة عنصر آخر مهم هو "أنثنة/ تأنيث" الغرب في الأدب العربي ومن قبل الكتاب العرب, أي النظرة للغرب على أنه أنثى. وهنا فإن السرديات الروائية العربية في جزء غير قليل منها صورت الغرب على أنه أنثى مغوية تريد الإيقاع بالشاب العربي, وأنها تمتاز بالقوة والجمال والمكر, بحيث إن إناث المجتمع الأصلي يخفن منها ويحسدنها. وفي نفس الوقت فإن هذا الشاب الذي يأسره جمال وذكاء الحسناء الغربية في مطلع الأمر, لا يلبث أن يكتشف "خواءها" فيعود إلى بنت البلد الأصلية, وهكذا. وهذه "الأنثنة للغرب" هي الصورة المعاكسة "لأنثنة الشرق" كما اشتهرت في كتابات الاستشراق الكلاسيكي وكما رصدها أدوارد سعيد ويشير إليها عناني. فهناك كان الشرق قد صور على أنه أنثى غامضة يأتي الرجل الغربي منجذباً إلى سحرها وغرابتها, خاصة ليستكشف ما تحت الخمار, فالشرق غامض كأنثاه. والغرب مغوٍ كأنثاه. يختم عناني رحلته الطويلة الممتعة وهو يبحث كيف رأى العرب الغرب. وفي اللحظة التي نطوي فيها الصفحة الأخيرة ونرفع رؤوسنا من النص, يلطمنا الواقع بالسؤال نفسه. ففي كل يوم وعلى ناصية كل حدث ثقافي أو انفجار دموي يطل السؤال بعبوسه وابتسامته اللئيمة العصية على التفكيك: ما هي العلاقة مع الغرب وكيف تكون؟