أثار نبأ فصل أحد صحفيي جريدة محلية صادرة باللغة الإنجليزية، العديد من التساؤلات حول أسلوب معالجة بعض الصحف المحلية للقضايا الداخلية. الصحفي "المفصول" تعسفياً سجل في شكوى لدى وزارة العمل أنه فصل بسبب رفضه المشاركة في حملة صحفية تضغط باتجاه العمل في مواقع البناء ليلاً، وأن الصحيفة تحرف أقوال العمال وأصحاب الشركات لتدعم حملتها! هذا الكلام لم يكن الأول من نوعه الذي يلفت الانتباه ويثير تساؤلات حول تغطيات بعض الصحف المحلية الصادرة بالإنجليزية لملف العمالة الوافدة بالدولة، فهناك مقالات عدة تناولت هذه المسألة بوضوح، وهناك إشارات خاطئة وردت في تقارير دولية استناداً إلى تقارير وأنباء غير دقيقة أو على الأقل مبالغ فيها نشرت في بعض الصحف المحلية. وإذا صحت اتهامات الصحفي المفصول لإدارة جريدته فإننا نكون بصدد مواقف محيرة لهذه الصحف. صحيح أن بديهيات العمل الإعلامي تقتضي أن تسعى الوسيلة الإعلامية إلى بناء قواسم مشتركة مع قرائها أو جمهورها، ولكن لا ننسى أيضاً خطورة "مجاملة" هذا الجمهور على حساب مصلحة عامة للبلد الذي يحتضن الجميع. لا أحد بالطبع يصادر حق الإعلام في تغطية الأحداث والوقائع التي تهم القراء، ولا أحد كذلك يمكنه التشكيك في مستوى المهنية والحياد والموضوعية طالما كان هناك التزام معياري معلن بتوخي الحقائق والدقة والشفافية، وطالما لم يثبت عكس ذلك، ولكن لا أحد يختلف بالمقابل على أن الإعلام "الموجه" ضد المصلحة العامة مرفوض بمستوى الرفض ذاته الذي يجابه به إعلام الدعاية والتهليل. وإذا كان ما يفصل بين المحاباة والموضوعية الإعلامية خيوط رفيعة ومساحات تتداخل فيها الكلمات والمهارات وتسفر عن نتائج متفاوتة من التضليل الإعلامي، فإن هناك خيوطاً رفيعة أخرى تفصل بين الموضوعية والتحامل أو التحيز ضد جهة أو موضوع ما. ويدرك العاملون في حقل الإعلام هذه الخيوط جيدا، ويدركون أيضا كيفية توظيف المعلومات وتوجيهها من أجل تحقيق هدف ما. خطورة الإعلام تكمن في مقدرته الفائقة على بناء التصورات والقناعات وتشكيل الاتجاهات والآراء نحو قضية أو موضوع معين، وبالتالي فإن دخول "التحيز" على خط المعالجات الإعلامية يمثل خطراً بالغاً، ويطرح تساؤلات بديهية تلقائية حول الأهداف المتوخاة من وراء ذلك، على اعتبار أن أي تحيز يحرف المهنية عن أصولها وقواعدها المتعارف عليها يكون بدافع تحقيق هدف أو أهداف ما، ومهمة البحث في هذه السلسلة من التساؤلات المحيرة تقع على كاهل الجهات المعنية ولسنا بصدد مناقشتها الآن، احتراماً لحق هذه الجهات في تتبع خيوط الموضوع والتثبت من الحقائق. دولة الإمارات تمر بمرحلة تنموية متسارعة وتحتاج إلى إعلام متطور وواع ومستنير يكشف الحقائق ويسلط الضوء على السلبيات من دون خوف أو وجل، انطلاقا من قناعة بأن الإعلام شريك أساسي في إنجاح مسيرة التنمية بما يمتلكه من مقدرة هائلة على الرقابة وبناء حوائط ردع ضد ممارسات الفساد الإداري ومواطن الخلل وعشوائيات القرار. ولا أحد يصادر حقه في أداء واجبه هذا بدقة وإتقان، ولا أحد يطالب أيضاً بإعلام وتغطيات صحفية متحيزة للجهات الرسمية، ولكن لا أحد يقبل بتحريف الحقائق والآراء وتوجيه الإعلام ضد أجندة عمل هذه الجهات، لمجرد تحقيق أهداف معينة لا تستهدف المصلحة العامة أو بالأحرى تعمل ضدها. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عن نشرة "أخبار الساعة" الصادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية