ربما يكون تركيز العالم الآن على الخطب الحماسية للرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد عن الهولوكوست وعن "حقوق" إيران النووية، لكن الحقيقة هي أنه وفي الوقت الذي بدأ الربيع ينشر حرارته في العاصمة الإيرانية طهران المختنقة بالسيارات، فإن النقاشات الشعبية هناك يدور معظمها حول التصريحات غير المتوقعة التي أدلى بها نجاد عن "حقوق" المرأة. فمنذ أسبوعين أعلن الرئيس الإيراني بشكل مفاجئ أنه قد حان الوقت للسماح للنساء بحضور مباريات كرة القدم، وأنه ليس من مسؤولية حكومته أن تقوم بفرض القيود الخاصة باللباس وأن "هناك مظالم معينة ترتكب ضد النساء لا شأن لها بالإسلام". وكان من الطبيعي أن يستشيط الملالي غضبا من تلك التصريحات وأن يصدر اثنان منهما فتوى تجاهلها أحمدي نجاد عمداً، ما جعل الليبراليين الذين لاذوا بعزلتهم، بعد أن تم إقصاؤهم عن السلطة، يتشفون مما يحدث بين المتشددين. فهاهو أحمدي نجاد، وبعد تسعة شهور على اعتلائه السلطة، يضطر للإقرار بالحقيقة السياسية السائدة في إيران وهي: أن السكان قد ملوا من القيود والفساد والإخفاق الاقتصادي للحكم الإسلامي. ولكن محاولة خطب ود نساء الطبقة الوسطى، يعكس بذاته براعة هذا الرئيس المتشدد في حشد الدعم الشعبي وراء نظامه. فأحمدي نجاد يمارس ما يعرف بـ"شعبوية القومية الهجومية"، وهو ذلك النمط من الشعبوية الذي ذاعت شهرته على أيدي طغاة القرن العشرين. فهو يضخ أموال النفط الإيراني المنهمرة في قنوات زيادة الأجور والمعاشات ومنح القروض محدودة التكاليف وإلغاء الديون المستحقة على الفلاحين... كما يقوم بزيارات خاطفة للمحافظات، يلقي أثناءها الخطب ويوزع الوعود ويطلق النكات الشعبية، ويشجب بعبارات نارية العدوين الأميركي والصهيوني. ورغم أنه لا يوجد قياس للآراء يمكن الاعتماد عليه في إيران، فإننا نجد أنه حتى المنشقين الأكثر إحساسا بالمرارة نحو نجاد يقولون إن حملته تحقق نجاحا. وهم يقولون إن السبب في ذلك يرجع إلى أن قضيتهم غير مسموعة، حيث قامت الحكومة بحظر تداول الأخبار المستقلة عن الموضوع النووي، كما أغلقت الصحف المستقلة عدا صحيفتين، وقام الحرس الثوري مؤخرا بالتشويش على محطات فضائية وإذاعية في طهران وغيرها من المدن، كما شرعت الحكومة في إعداد خطة لمواجهة المنشقين الذين يستخدمون شبكة الإنترنت. وعملية إثارة مشاعر الجماهير تخدم أحمدي نجاد بدرجة أقل مما تخدم حاكم إيران الحقيقي آية الله علي خامنئي الذي جرد الحركة الديمقراطية التي كانت لا تزال تمثل تهديدا حقيقيا لسلطته منذ ثلاث سنوات من سلاحها. والرئيس الحالي هو تلميذ خامنئي، كما أن السجال السياسي في إيران اليوم يدور داخل الأجهزة التي يسيطر عليها خامنئي مثل "مجلس صيانة الدستور". ففي هذا المجلس يرى المحافظون المعتدلون مثل كبير المفاوضين النوويين الإيرانيين حسن روحاني أن المواجهة مع مجلس الأمن خطرة وغير ضرورية، وأن إيران يجب أن تعيد تجميد برنامجها الخاص بتخصيب اليورانيوم من أجل إعادة فتح باب المناقشات مجددا مع دول المجلس. لكن خامنئي على ما يبدو انحاز تماماً لصف مستشاره الجديد للأمن القومي علي لارجاني الذي يرى أن التنازلات التي قدمتها إيران للغرب عامي 2003 و2004 لم ترض الغرب بل جعلته يتمادى ويطالب منها اتخاذ المزيد من الخطوات، وأن الضغط على إيران لن يتوقف إلا إذا تحقق الهدف الذي تسعى إليه إدارة بوش وهو تغيير النظام في طهران، وأن إيران لن تتمكن من كبح طموحات الإدارة الأميركية إلا من خلال إجبار الغرب على القبول بالحقوق الإيرانية بشأن تخصيب اليورانيوم. وفي الوقت الراهن يقوم النظام بقصف الشعب بسيل لا يتوقف من حججه ونقاطه النووية. ففي خطبة صلاة الجمعة الماضية التي أقيمت في جامعة طهران، أعلن رجل الدين المتشدد أحمد خاتمي أمام حشد من الجنود والعمال والطلاب أن إيران قد أصبحت "واحدة من القوى النووية العظمى في العالم"... وأن الاستعماريين الغربيين يحاولون "الانتقام من إيران"... وأن الوكالة الدولية للطاقة الذرية لن "تستطيع أن تمحو سجلها الملطخ بالعار بسبب قرارها الخاص بدعم موقف الحكومات الغربية". هل هناك أي طريقة لتفتيت هذه الجبهة الصلبة؟ يقول الليبراليون الإيرانيون إن هذه الفرصة سوف تأتي عندما تبدأ شعبية نجاد في التقلص. ورغم أموال النفط المنهمرة على إيران، فإن هذا الاحتمال يبدو مرجحاً إلى حد ما. فزيادات الأجور وغيرها من الإجراءات التي تتبعها الحكومة، تقوم الآن بتوفير الأسباب التي ستؤدي إلى زيادة نسبة التضخم التي تتجاوز رقمين عشريين في الوقت الراهن. ومما يذكر في هذا السياق أن لجنة برلمانية يسيطر عليها "المحافظون" قامت بتدوين قائمة بالوعود التي قدمها أحمدي نجاد في جولاته بالمحافظات الإيرانية، وتوصلت إلى أن معظم هذه الوعود لا يمكن الوفاء بها. فحسب تقديرات المراقبين فإن تقليص نسبة البطالة في إيران، والتي وصلت إلى 12%، سوف يتطلب نسبة نمو سنوي تصل 8%، وهي نسبة لن تستطيع إيران تحقيقها إذا ما قرر الغرب حصارها. إن جلوس النساء في مدرجات ملاعب كرة القدم لن يحقق الرغبة العارمة لسكان إيران، من فئة ما دون الثلاثين من العمر والذين يمثلون ثلثي عدد السكان، في الالتحاق بركب القرن الحادي والعشرين. ولكن التغير في الآراء سوف يحتاج إلى فترة- ربما سنة على الأقل كما يقول المتفائلون- وإلى أن يحين ذلك الوقت فإن إيران هي بلد أحمدي نجاد. جاكسون ديل ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ كاتب ومحلل سياسي أميركي ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"