يرى "جيفري ساش"، مدير "معهد الأرض" التابع لجامعة كولومبيا، أن زيادة المساعدات، ومواجهة الأخطار التي تهدد الصحة العامة، وإنشاء "قرى تنموية" نموذجية هي المفاتيح لانتشال إفريقيا من الفقر الذي يجعل من الحياة جحيماً بالنسبة لستة من أصل كل عشرة أشخاص من سكان أفريقيا البالغ عددهم 650 مليون نسمة. غير أن "ويليام إيسترلي"، أستاذ العلوم الاقتصادية بجامعة نيويورك، يبدي اختلافه مع هذا الرأي على اعتبار أنه تمت تجربة ذلك من قبل ولكنه أثبت فشله. ويقترح بدلاً من ذلك أن تركز منظمات العون على مهام محددة من قبيل توفير الدواء للمصابين بالملاريا، ومياه الشرب للفقراء، والكتب المدرسية للأطفال، إضافة إلى التشديد على ضرورة اعتماد إصلاحات سياسية واقتصادية داخلية. والحال أنه بعد خمسين عاماً على حصول أولى المستعمرات الأفريقية على الاستقلال، يبدو أن استعداد القارة للعمل بأي من هذه النصائح وتدبير شؤونها أضعف الآن من أي وقت مضى، إذ أن اعتمادها على "الخبراء" الأجانب في ازدياد، كما أن تأثير ونفوذ منظمات العون الغربية أقوى وأبلغ تأثيراً يوماً بعد يوم. ثم إن الفساد ينخر القارة، حيث يكاد لا يوجد بلد يتوفر على عدد كافٍ من المسؤولين النزهاء الذين يمكنهم توزيع المساعدات أو الأدوية أو الكتب المدرسية من دون تلقي رشاوى أو استغلال المساعدات لأغراض سياسية. وبالتالي، فعندما وضع "بول وولفوفيتز"، رئيس البنك الدولي، محاربة استغلال النفوذ في مقدمة أجندته التنموية، فإنه كان مصيباً في ذلك، حيث بدأت الحملة التي شنها ضد الفساد تعطي أُكلها في آسيا وأميركا الجنوبية. ففي الهند مثلاً، امتنع البنك الدولي عن منح بعض المؤسسات الصحية قروضاً خشية إساءة استعمال القروض. وفي بنغلادش، تم إلغاء عقود بناء الطرق نظراً لعدم إجراء المناقصات العمومية في ظروف شفافة. كما شددت الأرجنتين، بفعل ضغوط من البنك، إجراءات محاربة الفساد. غير أن محاربة الفساد يبدو أنها لم تصل إلى أفريقيا، وهي القارة التي تعد في أمسِّ الحاجة إلى ذلك. ففي كينيا مثلاً، مر نحو 18 شهراً منذ أن اختار "جون جيتهونغو"، المسؤول السامي السابق في البلاد الذي أعلن الحرب على الفساد، المنفى وفضح عمليات استغلال النفوذ المتفشية على أعلى المستويات في بلاده. غير أن رد فعل البنك الدولي لم يكن قوياً. من الصعب تصديق أن "وولفوفيتز" الصلب، نائب وزير الدفاع السابق ومهندس حرب العراق، يهرب من المواجهة. ولكن يبدو أنه أدرك أن ما قد ينجح في مكان آخر قد لا ينجح بالضرورة في أفريقيا. والواقع أن هذا الدرس يمثل شرطاً للتغيير في أفريقيا، التي تعيش أزمة خاصة تختلف عن مشكلات بقية العالم النامي. وللوقوف على عمق المشكلات التي تعاني منها القارة السمراء، علينا أن نتأمل أمرين يستنزفان قوتها ويؤشران على فقدانها الثقة في النفس، ألا وهما هروب رؤوس الأموال وهجرة الأدمغة. كل سنة يتم تحويل 15 مليار دولار من أفريقيا إلى الخارج، وهو مبلغ يعادل قيمة المساعدات الدولية. وبعبارة أخرى، فالمساعدات تأتي بنفس السرعة التي تغادر بها رؤوس الأموال إلى البنوك الغربية، إذ تشير الإحصائيات إلى أن نحو 40 في المئة من المدخرات الإفريقية توجد خارج القارة، مقارنة مع 6 في المئة بالنسبة لشرق آسيا و3 في المئة في جنوب آسيا. وعلاوة على ذلك، يغادر إفريقيا كل سنة 70000 من ألمع وأفضل كفاءاتها إلى الخارج، في حين يأتي 100000 "خبير" أجنبي للعمل في إفريقيا. وإذن، فكيف ينبغي على "وولفويتز" أن يتصرف؟ بعد 30 عاماً على التحذير الذي كان أطلقه البنك الدولي من احتمال تدهور أزمة القارة، من المؤكد أنه قد حان الأوان بالنسبة لهذه المؤسسة الدولية أن تقر بالهزيمة. غير أن ذلك لا يعني أنه على البنك أن ينسحب، وإنما عليه أن يلتزم من جديد. فالإقرار بالهزيمة يعني وضع إطار زمني لتقليص مساعدات التنمية والحد منها –على الأقل خمس سنوات، و10 سنوات على أكثر تقدير– بغية وضع حد للجهود التي كلفت الدول المانحة أكثر من 550 مليار دولار، وتركت المزيد من الأفارقة أشد فقراً مما كانوا عليه قبل بدئها. إن إعادة الالتزام تعني وضع حد لظاهرة التواكل غير الصحية التي ساهمت المساعدات نفسها في خلقها، حيث يتعين على البنك مثلاً ألا يمنح قروضاً أو مساعدات جديدة ما لم توفر الحكومة المستفيدة أموالاً مقابلة، دولار مقابل دولار. إلى ذلك، ينبغي أن يتم تسخير إمكانيات إفريقيا الخاصة لتعويض رؤوس أموال المانحين. ولهذا الغرض، ينبغي على إفريقيا أن تضاعف مدخراتها الداخلية، وتحاول تجاوز معدلات الادخار الآسيوية. كما يتعين عليها القيام بإصلاحات جذرية لنظام ملكية الأراضي الجماعية. وعليها أيضاً أن توفر بيئة استثمارية تنافسية لا يحتاج فيها المرء إلى ستة أسابيع من أجل تسجيل شركته، كما هو الحال في كينيا، مقابل ستة أيام في هونغ كونغ. ويتعين عليها أيضاً تشريع قانون حول الحقوق التجارية، مع إمكانية الاحتكام إلى مكان محايد بالخارج لحل النزاعات، تحاشياً للأنظمة القضائية المحلية الفاسدة التي تنفر المستثمرين. وباختصار، ينبغي على إفريقيا خلق الظروف التجارية المواتية التي تشجع رؤوس الأموال الإفريقية على العودة. خلال زيارة قام بها مؤخراً إلى موزمبيق، قال وزير الخزينة البريطانية غوردن براون: "في القرن التاسع عشر، كان السؤال هو ماذا يمكن أن نفعل لأفريقيا؛ وفي القرن العشرين، ماذا يمكن أن نفعل من أجل أفريقيا؛ أما اليوم، فالسؤال هو ماذا يمكن لأفريقيا أن تفعله لنفسها". يأمل المرء لو أن "وولفويتز" والبنك الدولي قد سمعا مقولة وزير الخزانة البريطاني. مايكل هولمان محرر الشؤون الأفريقية السابق بصحيفة "فاينانشيال تايمز" اللندنية ينشر بترتيب خاص مع "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"