في وقت بدأت تتضح فيه معالم مخطط الرئيس جورج بوش الجديد بشأن أمن الحدود، يطفو على السطح مبدأ تم العمل به من قبل ويقوم على أن عدداً صغيراً من الجنود المزودين بأحدث الوسائل التكنولوجية وأكثرها تطوراً يمكنه أن يكون بديلاً لقوات أكبر عدداً. وقد عملت إدارة بوش قبل أكثر من ثلاث سنوات بالمبدأ نفسه عندما ذهبت إلى الحرب في العراق بعدد صغير نسبياً من القوات التي جهزتها بوسائل تكنولوجية متطورة. واليوم، لا تقتصر جهود إدارة بوش بخصوص تشديد مراقبة الحدود على المهمة المؤقتة للحرس الوطني فحسب، وإنما تمتد لتشمل أيضاً مخطط وزارة الأمن الداخلي، الذي يسخّر للغاية نفسها شبكة من أجهزة الاستشعار والأسيجة الإلكترونية وتكنولوجيا المراقبة المتطورة. غير أن المنتقدين يرون أن المخطط يفتقر إلى القوة البشرية الضرورية، كما كان الحال قبل حرب العراق. ونتيجة لذلك، أضحت الحدود الأميركية المكسيكية اليوم ساحة للجدل الذي ساهم في تحديد السياسة الأمنية التي تسنها الإدارة الأميركية، وهو جدل يدور حول ما إن كان بمقدور التكنولوجيا أن تُغْني عن الحاجة إلى المزيد من الجنود للقيام بأعمال من قبيل دوريات مراقبة الحدود أو محاربة المتمردين. ويرى "نوا شاشتمان" من مؤسسة "ديفينس. تيك. أورغ" أنه يمكن لرجال دوريات الحدود "استعمال جميع أنواع المساعدة التي يحتاجونها"، معتبراً أن "السؤال الذي يفرض نفسه حالياً هو ما إن كانت المساعدة الضرورية تتمثل في المزيد من الرجال أو المزيد من التكنولوجيا. ويبدو أن الإدارة تميل إلى المقاربة الأخيرة". والواقع أن الإدارة تسير في الاتجاهين، فبإرساله لـ6000 جندي من قوات الحرس الوطني، إنما يحاول الرئيس كسب الوقت، ذلك أن مخططه يروم زيادة حجم قوات دوريات الحدود من 12000 إلى 18000 رجل. أما الحرس الوطني فهو مجرد بديل مؤقت إلى حين تبلغ دوريات الحدود ذلك الهدف. غير أن بعض المنتقدين يعتقدون أن نشر 18000 رجل للقيام بدوريات مراقبة الحدود يظل غير كافٍ. وفي هذا السياق، يقول "تي جي بونار"، رئيس "المجلس الوطني لدوريات الحدود": "إننا في حاجة إلى ما بين 25000 و30000 رجل". غير أن إدارة بوش عملت على الترويج لفكرة أن التكنولوجيا يمكنها إحداث الفرق، حيث قال وزير الأمن الداخلي "مايكل شيرتوف" أمام الصحافة الأسبوع الماضي "نشر المزيد من الجنود غير كافٍ في الحقيقة. وبالتالي يتعين علينا الرفع من أدائهم وفعاليتهم. أما طريقة القيام بذلك فهي المزيد من البنى التحتية التكتيكية من قبيل الأسيجة والحواجز الأمنية، إضافة إلى تكنولوجيا المستقبل". وفي الوقت الراهن، ستتولى قوات الحرس الوطني مهام الدعم تلك، حيث ينتظر مثلاً أن تقيم سياجات جديدة وتشرف على المراقبة الجوية. وفي هذا السياق، وصف "ديفيد أغيلار"، قائد دوريات مراقبة الحدود، قوات الحرس الوطني التي ستتم الاستعانة بها بـ"القوة المضاعفة"، بمعنى أنها ستساعد دوريات الحدود على القيام بأكثر مما يوحي به عددها. أما عندما تنتهي مهمة الحرس الوطني على الحدود، فإنه يرتقب أن تصبح "القوة المضاعفة" تكنولوجيا جديدة. وذاك في الواقع هو هدف "مبادرة أمن الحدود" التي تعتمدها وزارة الأمن الداخلي، وهي برنامج وصفه بوش بأنه "الأكثر تقدماً من الناحية التكنولوجية في التاريخ الأميركي"، ويروم مساعدة رجال دوريات الحدود على مراقبة الحدود بشكل أكثر فعالية عبر الاستعانة بجملة من الوسائل التكنولوجية المتطورة كأجهزة الاستشعار وطائرات المراقبة التي لا تحتاج إلى ربان. وبصفة عامة، لا يعارض المنتقدون الاستعانة بالتكنولوجيا، إذ يشير "شاشتمان" إلى أن تسخير طائرات المراقبة من غير ربان على الحدود ساعد رجال الدوريات على تعقب المتسللين عبر الحدود وزاد من فعاليتهم. ولكنه أضاف أن ثلاثة أو أربعة من رجال الدوريات اضطروا في إحدى الحالات إلى تطويق مجموعة من المهاجرين غير الشرعيين كانت تتكون من 80 فرداً، قائلاً "كان عملنا سيكون أكثر نجاحاً وفعالية لو كان ثمة ستة أو سبعة رجال إضافيين". ومن جانبه، يقول "ستيفان إيشلار"، المدير التنفيذي لإحدى المنظمات الخاصة التي تعارض الهجرة غير الشرعية وتقوم بدوريات على الحدود بمشاركة متطوعين "التكنولوجيا تمكن من تحديد عدد المهاجرين الذين يعبرون الحدود بطريقة غير قانونية، ولكنها لا تستطيع توقيفهم". وعلاوة على ذلك، لا يخفي نشطاء الحدود تحفظهم إزاء ما يمكن للتكنولوجيا أن تساهم به في هذا الباب، ذلك أن نتائج استخدام التكنولوجيا لم تكن دائماً في مستوى التطلعات. وفي هذا السياق يشير المنتقدون إلى أن أجهزة الاستشعار لا تكتفي بالتحذير من عبور المهاجرين، وإنما تحذر أيضاً من مرور قطعان الماشية، وهو ما يتسبب في تضييع وقت رجال الدوريات. كما أن الطائرات غير المأهولة التي تضطلع بمهام المراقبة لا تسلم من حوادث التحطم. وإضافة إلى ذلك، لا تتواصل مراكز المراقبة المنتشرة بمحاذاة الحدود بينها بفعالية. غير أن وزير الأمن الداخلي "شيرتوف" شدد على أن الأمور ستكون مختلفة هذه المرة، موضحاً أن البرنامج سيتم إنشاؤه من قبل شركة واحدة "وذلك حتى لا تكون هناك مثلاً مشكلة عدم تطابق الأنظمة والأجهزة". والواقع أن الإدارة تشير أيضاً إلى أن الأمر يتعلق بمشكلة متعددة الأوجه تتعدى أمن الحدود. فلا التكنولوجيا ولا الجنود سيحلان المشكلة ما لم تتوفر عناصر أخرى من قبيل فرض احترام قوانين العمل من قبل المشغلين، وتوسيع مراكز الاعتقال، إلخ. والواقع أن الكثير من الخبراء يشاطرون رأي "ديبورا مايرز" من "معهد سياسة الهجرة" التي ترى أن بوش قد "أشار بوضوح إلى هذه الاحتياجات المتداخلة. فمراقبة الحدود وحدها لن تحقق ما نريد لها أن تحققه". غير أن آخرين يعتبرون أن توفر عنصر مراقبة الحدود ضروري بالنسبة لنجاح العملية برمتها، وهو يقتضي تقييماً واضحاً لما يحتاجه رجال الدوريات، وفي هذا الإطار تضيف مايرز "إن التكنولوجيا مهمة، ولكنها عنصر واحد فقط". مارك سابنفيلد عضو هيئة تحرير "كريستيان ساينس مونيتور" ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"