يستهل فرانسيس فوكوياما كتابه الصادر مؤخراً "مستقبلنا بعد البشري: عواقب ثورة التقنية الحيوية"، والذي نعرض فيما يلي ملخصاً له، بتوضيح لهدفه من تأليف الكتاب، وهو كما يقول محاولة الإثبات بأن "أخطر تهديد تمثله التقنية الحيوية المعاصرة، يتجلى في إمكانية السماح بتغيير الطبيعة البشرية، وبالتالي أن تنقلنا إلى مرحلة (ما بعد البشري) من التاريخ". الكتاب يتألف من ثلاثة أجزاء؛ يعرض أولها بعض السبل المعقولة ظاهرياً إلى المستقبل، وعواقب ذلك. فيما يتناول الجزء الثاني قضايا فلسفية تثيرها القدرة على معالجة الطبيعة البشرية. أما الجزء الثالث والأخير من الكتاب فيسعى إلى البرهنة على أنه بالإمكان وضع إطار تنظيمي للفصل بين استخدامات التقنية الحيوية المشروعة واستخداماتها الأخرى غير المشروعة. ويكرر فوكوياما طوال صفحات كتابه الضخم، وبصيغ مختلفة، أن ما تمثله التقنية الحيوية من تحدٍّ ليس مجرد تحدٍّ أخلاقي، بل هو تحدٍّ سياسي أيضاً؛ إذ أن القرارات السياسية التي سنتخذها خلال السنوات القليلة القادمة فيما يتصل بعلاقتنا مع هذه التقنية هي ما سيحدد إن كنا فعلا سندلف إلى مستقبل "بعد بشري" أم لا، وستحدد كذلك الهوة الأخلاقية المحتملة التي يفتحها هذا المستقبل أمامنا. ولعل السبب الرئيسي وراء كون المؤلف غير متفائل تماماً في هذا الخصوص، هو أن التقنية الحيوية -على عكس العديد من الفتوحات العلمية الأخرى- تمزج الفوائد الجلية بالمضار الخبيثة في حزمة واحدة متكاملة. ويقارن الكتاب بين الطاقة النووية والتقنية الحيوية؛ فالأولى أدرك الناس خطورتها مبكراً، فخضعت لتنظيم صارم منذ اللحظة التي نجح فيها مشروع مانهاتن في صنع أول قنبلة ذرية عام 1945. ثم يزيد المقارنة وضوحاً بقوله: "إذا كان هناك احتمال لأن تقتلك إحدى الآلات التي صنعتها، فستتخذ الاحتياطات اللازمة لحماية نفسك... وقد تظهر منتجات للتقنية الحيوية بالوضوح نفسه فيما يتعلق بالمخاطر التي تهدد بها البشرية؛ مثل الجراثيم الفائقة، والفيروسات الجديدة، أو الأغذية المعدلة وراثياً التي تسبب تفاعلات سامة". ويبين ظهور "الإرهاب البيولوجي" كتهديد حي ومحتمل، حجم الحاجة إلى تحكم سياسي أكبر في استخدامات العلم والتقنية؛ فأعظم التحديات التي فتحتها التقنية الحيوية ليس ما يلوح في الأفق أمامنا الآن فحسب، بل ما سيظهر بعد عقد أو أكثر. من هنا فإن العالم بات على وشك الولوج إلى مستقبل "بعد بشري"، ستمنحنا فيه التقنية قدرة متزايدة على تعديل جوهر البشر تعديلاً تدريجياً مع مرور الوقت. وكثيرون هم الذين سيحتضنون هذه القوة تحت شعار الحرية الإنسانية؛ بهدف تمكين الآباء من حرية اختيار نوع الأطفال الذين سينجبونهم، وتمكين العلماء أيضاً من حرية كاملة في إجراء الأبحاث، وكذلك مساعدة رجال الأعمال في استخدام التقنية الحيوية لجمع الثروات! ولا يتوقع فوكوياما أن يكون "العالم ما بعد البشري" عالم الحرية والمساواة والإخاء والرخاء والتعاطف... الذي يحلم به ملايين الناس، بل قد يصبح عالماً سلطوياً وتنافسياً بدرجة أكثر شراسة مما هو عليه الآن، وبالتالي سيعج بالصراعات الاجتماعية. وقد يصبح عالماً تضيع فيه أية فكرة عن الإنسانية المشتركة، لأننا مزجنا الجينات البشرية بجينات أنواع أخرى كثيرة من الأحياء بحيث لم تعد لدينا فكرة واضحة عن ماهية الإنسان. وفي ظل التطور الذي تحرزه التقنية الحيوية، يتحدث المؤلف عن ثلاثة سيناريوهات؛ يتعلق أولها بالأدوية الجديدة، حيث ستسمح معرفة الجينوميات بتفصيل الأدوية وفقاً للصفات الوراثية لكل مريض بمفرده، مما يقلل التأثيرات الجانبية غير المقصودة. وبذلك يمكن التدخل في إعادة بناء السمات الأساسية للشخصية، فمتبلدو الحس يمكنهم أن يصبحوا مفعمين بالحيوية؛ والانطوائيون يمكنهم أن يكونوا انبساطيين؛ بل يمكنك اتخاذ شخصية ما اليوم واتخاذ شخصية أخرى لنهاية الأسبوع. وفي السيناريو الثاني، ستتيح التطورات الحادثة في أبحاث الخلايا الجذعية تجديد أنسجة الجسم لمكافحة الشيخوخة، بحيث يمكن دفع معدلات العمر المتوقع إلى أكثر من 100 عام. أما السيناريو الثالث، فيتيح للأغنياء روتينياً فرز الأجنة قبل الانغراس، كي ينجبوا أطفالاً في المستوى الأمثل. هكذا سيبدو العالم خلال العقود القادمة عالماً مختلفاً جداً، حيث ستواجهنا خيارات أخلاقية حول الخصوصية الوراثية، والاستخدامات المناسبة للأدوية، وانتقاء الأجنة، واستنساخ البشر، واستخدام التقنيات الطبية لأغراض التجميل وغيره! فما هي المعايير السياسية والأخلاقية التي يجب أن تضبط ذلك التطور؟ إجابة فوكوياما واضحة؛ وهي أنه لابد من الاستناد إلى السلطة التنظيمية للدولة في مجال التقنية الحيوية، حيث قد تختلط الفوائد العظيمة المحتملة بتهديدات مادية واضحة أو روحية وخفية! وإذا ثبت أن المهمة تفوق القدرة التنظيمية لأية دولة وطنية بمفردها، فلابد من تنظيمها على مستوى دولي. علينا من الآن أن نبدأ في التفكير واقعياً حول كيفية بناء المؤسسات التي يمكنها التفريق بين الاستخدامات الجيدة والسيئة للتقنية الحيوية، وتطبيق هذه القوانين بفعالية؛ سواء على المستوى الوطني أو الدولي. ويرد المؤلف على فكرة استحالة إيقاف تقدم التقنية أو التحكم فيها، قائلاً إنها ببساطة فكرة خاطئة؛ فنحن في الواقع نتحكم في جميع أنواع التقنيات، وفي العديد من أنماط البحث العلمي؛ ولم يعد الناس أحراراً في إجراء تجاربهم على تطوير أسلحة بيولوجية جديدة، بأكثر من حريتهم في إجراء التجارب على البشر. ما نحتاجه في هذا الخصوص هو أن نتجنب بأي ثمن اتخاذ موقف انهزامي فيما يتعلق بالتقنية الحيوية، بمعنى أنه إذا كنا لا نستطيع فعل شيء لإيقاف التطورات التي لا نرغبها، فيجب علينا ألا نحاول فعل ذلك من الأساس. ومن هنا يقترح فوكوياما وضع جهاز تنظيمي يسمح للمجتمع الإنساني بالتحكم في التقنية الحيوية البشرية، وإن لم يكن ذلك أمراً سهلاً؛ بل يتطلب أن يجتمع المشرعون من جميع أنحاء العالم لاتخاذ قرارات صعبة حول قضايا علمية معقدة! محمد ولد المنى الكتاب: مستقبلنا بعد البشري: عواقب ثورة التقنية الحيوية المؤلف: فرانسيس فوكوياما الناشر: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية تاريخ النشر: 2006