تعتبر المضادات الحيوية، أو مضادات الميكروبات، أحد أهم الأسلحة الحديثة في حرب الإنسان الأزلية مع الأمراض المُعدية. هذه المضادات، إما أن تكون طبيعية المصدر، أو منتجة اصطناعياً، وتتميز جميعها بقدرتها على تثبيط أو قتل غالبية الميكروبات المرضية. ويمتلك الجنس البشري حالياً خمس عشرة طائفة، أو فصيلة مختلفة، من المضادات الحيوية، تختلف فيما بينها في التركيب الكيميائي، وفي طريقة قتلها للبكتيريا. ومنذ اكتشاف هذه المركبات العجيبة في النصف الثاني من القرن الماضي، وبعد الفوائد الجمة التي جناها الإنسان من استخدامها للدفاع عن نفسه، انتشر أيضاً استخدام المضادات الحيوية لحماية الكائنات الحية الأخرى، مثل الحيوانات والنباتات والأسماك، والتي تشكل جميعها أهمية اقتصادية وحياتية للإنسان. وأصبحت المضادات الحيوية تستخدم أيضاً، وبسبب تأثيرها المنشط والمحفز للنمو، ضمن أساليب التربية المكثفة للحيوانات الداجنة، من خلال إضافتها بجرعات بسيطة إلى علف الحيوانات. ولم يقتصر استخدام المضادات الحيوية على الأغراض الطبيعية فقط، بل امتد أيضاً إلى الاستخدامات الصناعية، كاستخدامها لغرض تثبيط نمو البكتيريا داخل أنابيب النفط. هذه الاستخدامات الواسعة والمتعددة الأغراض للمضادات الحيوية، وخصوصاً خارج مجال العلاج المباشر للأمراض المعدية في الإنسان، نتج عنها ازدياد مماثل في قدرة البكتيريا على مقاومة تلك المضادات الحيوية، وهي الظاهرة التي تثير قدراً متعاظماً من القلق بين الأطباء والعلماء. فعلى الرغم من أن السبب الرئيسي خلف مقاومة البكتيريا للمضادات الحيوية، هو فرط وإساءة الاستخدام، من قبل الأطباء والمرضى بالتحديد، إلا أن التوسع في استخدام المضادات الحيوية في تطبيقات أخرى، قد منح هذه المشكلة أبعاداً أخرى جديدة وخطيرة. فعلى سبيل المثال، أدى فرط وسوء الاستخدام للمضادات الحيوية في تربية الحيوانات، إلى ظهور أنواع من البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية في المزارع، تنتقل لاحقاً إلى الإنسان من خلال اللحوم، وغيرها من المنتجات الحيوانية، أو من خلال الاتصال المباشر بتلك الحيوانات. وربما كان أفضل مثال على ذلك هو بعض أنواع البكتيريا التي تسبب التسمم الغذائي (Salmonella and Campylobacter)، والتي أصبحت تكتسب المناعة داخل أجساد الحيوانات، لتنتقل لاحقاً إلى الإنسان، بعد أن أصبحت بالفعل منيعة ومقاومة لمعظم أنواع المضادات الحيوية. هذا بالإضافة إلى تأثير المضادات الحيوية -الخارجة مع روث الحيوانات- على البكتيريا الموجودة في البيئة المحيطة، وتسببها في تولد مناعة أيضاً لديها. وهو ما يعني أن سوء استخدام المضادات الحيوية في الحيوانات، لا يظهر تأثيره على الإنسان من خلال بُعد واحد، بل يظهر تأثيره من خلال أبعاد متعددة ومتباينة. ولا يقتصر هذا الوضع على الحيوانات التي تعيش على الأرض فقط، بل يمتد أيضاً إلى بيئة الكائنات البحرية. حيث تستخدم حالياً أنواع كثيرة من المضادات الحيوية، في المزارع المائية المنتجة للأسماك والروبيان، وخصوصاً في الدول الآسيوية. ولكن للأسف، لا يتوفر الكثير من المعلومات حول أنواع المضادات الحيوية المستخدمة في المزارع المائية، ولا عن كمياتها، مما يجعل من الصعب تحديد مدى تأثيراتها السلبية على الصحة العامة. وهو ما يجعل من الضروري، إجراء مراجعة لممارسات وسياسات استخدام المضادات الحيوية في المزارع المائية، لتحديد الأخطار الصحية المحتملة، وآثارها على أمن وسلامة الغذاء، وعلى جهود مكافحة الأمراض المعدية في الإنسان على المدى الطويل. ويمكننا في مجال الكائنات المائية، أن نستعين بالدروس والعبر المستفادة من نتائج وآثار استخدام المضادات الحيوية لدى الحيوانات الأرضية، مع السعي نحو تطوير أساليب وطرق أخرى تحقق نفس الفوائد، وبقدر أقل من الضرر. وهو بالتحديد ما نجح فيه النرويجيون، عندما استطاعوا خفض ما يستخدمونه من مضادات حيوية في مزارعهم السمكية بمقدار 90%، وفي فترة زمنية قصيرة جداً، من خلال تطوير وتعديل أساليب الإنتاج والزراعة، والاعتماد على التطعيمات بشكل أكبر. وتسعى المنظمات الدولية من جانبها، إلى تطوير استراتيجيات دولية لاحتواء الآثار الناتجة عن فرط وسوء استخدام المضادات الحيوية، وخصوصاً تطور قدرة البكتيريا على مقاومتها. هذه الاستراتيجيات تهدف إلى ترشيد استخدام المضادات الحيوية في جميع قطاعات ومجالات استخدامها، مثل القطاع الصحي، والزراعي، والصناعي، والحيواني، والمائي. وكجزء من هذه الاستراتيجية، تسعى منظمة الصحة العالمية إلى التعاون والتنسيق مع المنظمات الأخرى، مثل منظمة الأغذية والزراعة (الفاو)، وغيرها من المنظمات التابعة للأمم المتحدة، للخروج بتوصيات دولية، بهدف الوصول إلى قدر من التوازن، يتيح لمربي الحيوانات والمزارعين استخدام المضادات الحيوية في حماية وزيادة إنتاجهم، ويمنع في نفس الوقت امتداد آثارها السلبية للإنسان. ولن تغني بالطبع مثل هذه الجهود الدولية، عن الحاجة إلى تعاون وتنسيق مماثل أيضاً بين السلطات الوطنية والمحلية في مختلف دول العالم. ورغم قلة الأمثلة على وجود مثل هذا التعاون والتنسيق، إلا أن بعض الدول، ومن خلال سن القوانين الضرورية، قد تمكنت بالفعل من تقليل فداحة المشكلة. فعلى سبيل المثال، قام الاتحاد الأوروبي، ومنذ عام 1997، بتحريم استخدام المضادات الحيوية التي تستخدم أيضاً في التطبيقات الطبية، كمحفز ومنشط للنمو ضمن علف الحيوانات. هذا المثال نأمل يوماً ما، أن يتم تعميمه في دول ومناطق أخرى في العالم، وخصوصاً تلك التي تشتهر بتربية وإنتاج الحيوانات والكائنات البحرية. أما تلك التي تعتمد على الاستيراد بشكل رئيسي، لسد احتياجاتها من اللحوم والأسماك، فيمكنها على الأقل تحريم استيراد الأغذية التي استخدمت في إنتاجها مضادات حيوية يستخدمها أيضاً بنو البشر. د. أكمل عبد الحكيم