في الصيف الماضي، كانت شهيدة حسين تجوب شوارع قندهار المكسوة بالغبار في مسعى لحشد تأييد الناخبين في إطار حملة الانتخابات البرلمانية، وذلك في تحدٍّ واضح لتهديدات "طالبان". أما اليوم، فقلما تغادر هذه المرأة الفصيحة بيتها جراء أعمال العنف التي باتت تعصف بهذه المدينة الأفغانية الواقعة جنوب البلاد. وتقول شهيدة التي وافقت على إجراء مقابلة معها شريطة أن تتم في أحد الفنادق خشية أن يراها أحد تستقبل زواراً أجانب في بيتها: "قبل نحو ستة أشهر كانت الأمور أفضل. أما اليوم فالأوضاع الأمنية تسوء يوماً بعد يوم. ونتيجة لذلك، لم يعد أطفالنا يستطيعون الذهاب إلى المدرسة، كما أننا لم نعد نخرج من البيت". وقد أحجمت عائلة شهيدة عن إرسال حفيدتها إلى المدرسة خشية تعرضها لمكروه بسب عودة أعمال العنف، وإن لم يكن ذلك على يد "طالبان"، فقد يكون على يد المجرمين الذين يتحالفون مع عناصر حكومية يعتريها الفساد الذي يستفيد من تجارة المخدرات المتفشية في البلاد. وفي هذا السياق، تقول شهيدة: "الفساد هو السبب الأول وراء اندلاع العنف". وفي هذا الوقت الذي تصاعدت فيه أعمال العنف في جنوب أفغانستان ووصلت فيه إلى أعلى مستوياتها منذ 2001، تشاطر مجموعة من المسؤولين الأفغان والخبراء الأمنيين وقادة التحالف شهيدة حسين تقييمها، حيث يرون أنه إذا كانت عناصر "طالبان" تقاتل بحماس واستماتة أكبر، فإن أعمال العنف لها علاقة أكبر في الواقع بفشل الحكومة. وفي هذا الإطار، يقول العميد "إيد باتلر"، قائد القوات البريطانية في أفغانستان، "القبلية هي قلب المجتمع في أفغانستان وكذلك تجارة المخدرات. وهي أصل النزاعات على الماء والأراضي والمخدرات. إنه مستنقع في غاية التشعب والتعقيد، و80 في المئة من العنف لا علاقة لها في الحقيقة بحركة التمرد"، مضيفاً "الحكومة الضعيفة هي المشكلة. واليوم علينا دعم الأوضاع الأمنية التي من شأنها توفير الوقت والمجال لتطور العملية السياسية". والواقع أن الأوضاع الأمنية أخذت في التردي منذ السنة الماضية، وهو ما يقتضي مساهمة أكبر من قوات التحالف. فخلال هذا الأسبوع فقط، لقي أكثر من 250 شخصاً حتفهم في سلسلة من المعارك التي دارت في قندهار وإقليم هلمند المجاور. ومعظم القتلى كانوا من المتمردين، غير أن جنديين فرنسيين وأميركياً وكندياً لقوا حتفهم أيضاً في تلك المعارك. وقد تقوت شوكة عناصر "طالبان" الذين صعَّدوا هجماتهم في الآونة الأخيرة وأضحوا يخترقون بأعداد كبيرة مناطق لم يرهم أحد فيها منذ أكثر من أربع سنوات. ولعل أسوأ معركة جرت هذا الأسبوع هي تلك التي كانت منطقة بانجوايي ساحة لها (تبعد بأقل من 20 ميلاً عن وسط قندهار)، والتي أجبرت منظمات العون الدولية على البقاء داخل ثاني أكبر مدن أفغانستان. إلى ذلك، أعلنت قوات التحالف يوم الاثنين أن غارة جوية، نفذت في وقت متأخر من يوم الأحد في منطقة بانجوايي، أسفرت عن مقتل نحو 80 من نشطاء "طالبان". غير أن حاكم قندهار أخبر الصحافيين أن 16 مدنياً لقوا مصرعهم أيضاً في هذه الغارة. وعلى خلفية المعارك التي زادت حدتها ووتيرتها الأسبوع الماضي، شوهد قرويو المنطقة وهم يحزمون أمتعتهم وأغراضهم قاصدين قندهار هرباً من المعارك. وتعليقاً على هذا الأمر، قال أحد الخبراء الأمنيين الغربيين في الجنوب "إنه إقرار بأن الحكومة لا تستطيع فعل شيء من أجلهم". وإذا كانت زيادة عدد القوات ترمي إلى دعم الحكومة الأفغانية الفتية، فإن إغلاق المدارس بسبب الهجمات، وعجز منظمات العون الدولية، ومضايقة الشرطة للقرويين وتهديدها لهم على غرار "طالبان"، كلها تتسبب في نفاد صبر الأفغان الذين ضاقوا ذرعاً بالحال. وفي هذا الإطار، يقول العميد باتلر: "علينا التحرك أكثر وتغيير الأوضاع. إنه خطر حقيقي ألا يشعر الناس بالأمن طيلة عام، فحينها قد نفقد رضاهم". ويرى الكثيرون في قندهار أن أعمال التمرد تتغذى بالإحباط الذي يشعر به الأفغان تجاه حكومة عاجزة وفاشلة أخفقت في توفير الأمن وإعادة الإعمار، إذ يقول عدد من القرويين من بانجوايي إنهم يخافون من الشرطة، التي كثيراً ما تغير على منازلهم وتسلبهم أشياء ثمينة، تماماً مثل خوفهم من نشطاء "طالبان". ومن جهته، يقول العقيد محمد حسين، ممثل وزارة الداخلية المكلف بالتنسيق مع القوات الكندية بقندهار: "إن الفساد الأفغاني يشبه طنجرة ضغط وصلت إلى نقطة الانفجار. ولذلك علينا أن نبعدها عن النار"، مضيفاً "إن المدنيين مستعدون للتعاون مع القوات المعارضة للحكومة لأنهم يرون أن الحكومة فاسدة ولا تستطيع القيام بشيء من أجلهم". ويأتي تصاعد أعمال العنف في الوقت الذي تستعد فيه قوات "الناتو" لتسلم مهمة الإشراف على المسائل الأمنية في الجنوب من التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة. ومن المنتظر أن تضاعف هذه الخطوة عدد القوات المرابطة في جنوب أفغانستان قبل شهر أغسطس. هذا ويعتبر قادة "الناتو" أن "طالبان" يصعِّدون هجماتهم في مسعى إلى كسر التأييد الشعبي في البلدان التي تشارك في هذه القوات. والواقع أن القوات الأجنبية ما زال يمكنها أن تستفيد من خزان النوايا الحسنة هنا، ذلك أن ذكريات الحرب الأهلية وحكم "طالبان" المتشدد لا تزال طرية في الأذهان في أنحاء كثيرة من جنوب أفغانستان. ونتيجة لذلك، يعرب الكثير من السكان عن تأييدهم لنشر قوات أجنبية. غير أن حسين يبدو حذراً إذ يقول "عندما لم تكن الحكومة الشيوعية جيدة، جاء المجاهدون. وعندما فشلوا، جاء "طالبان". ولا أدري من سيأتي بعد هذه الحكومة، غير أنها بصدد فقدان ثقة الشعب". راشيل موراجي ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مراسلة "كريستيان ساينس مونيتور" في قندهار ينشر بترتيب خاص مع "كريستيان ساينس مونيتور"