تتعرض شركات الأدوية العالمية منذ فترة لسيل من الانتقادات التي تمس العديد من أوجه نشاطاتها العلمية، وتتعلق بالكثير من ممارساتها المتعلقة بترويج وتسويق منتجاتها من أدوية وعقاقير. أحد أهم تلك الانتقادات يصب في كيفية استخدام صناعة الدواء للأبحاث الطبية والدراسات العلمية، في إقناع الأطباء بمدى فعالية هذا العقار أو ذاك، وبدرجة آمنه وسلامة استخدامه على المرضى. فالعرف السائد حالياً، هو أن تمول هذه الشركات تكاليف إجراء البحوث والدراسات في المراكز الطبية والعلمية، مع تخصيص قدر من العائد المالي للأطباء والعلماء القائمين على الدراسة، في الكثير من الأحيان. وإذا ما كان هذا الأسلوب يضع حيادية الأطباء والعلماء تحت ظلال الشك، إلا أن المشكلة الأكبر هي أن شركات الأدوية تصبح في النهاية مالكة لتلك الدراسات والبحوث، وصاحبة الحق في نشر نتائجها من عدمه. ولذا، إذا ما كانت نتائج الدراسة إيجابية، أي تتفق مع أهداف الشركة الترويجية والتسويقية، فسيكتب لها حينها أن ترى النور، من خلال النشر في الدوريات والمجلات العلمية والطبية. أما إذا ما أتت الرياح بما لا تشتهي السفن، وأظهرت الدراسة مشكلة في العقار المعني، فلا ترى مثل تلك النتائج النور أبداً، وتظل حبيسة الأدراج. هذا الواقع اليومي، يصيب نزاهة وحيادية الدراسات العلمية في الصميم، ويجعلها هي والقائمين عليها، محلاً دائماً للشكوك والريبة من قبل المجتمع الطبي، ناهيك أيضاً عن تبعات ما يتم حجبه من نتائج سلبية عن الأطباء، والذين يقع على كاهلهم في النهاية وصف الأفضل والأأمن لمرضاهم. هذه المشكلة المزمنة، دفعت بمنظمة الصحة العالمية يوم الجمعة الماضي، إلى مطالبة المراكز البحثية وشركات الأدوية، بتسجيل جميع الدراسات الطبية الهادفة إلى اختبار أي دواء أو عقار على الإنسان، ضمن قاعدة بيانات دولية ضخمة. وما تهدف إليه المنظمة من هذه المطالبة، هو أن تصبح جميع الدراسات، ذات النتائج الإيجابية أو السلبية، متوفرة لأفراد المجتمع الطبي عند اتخاذهم القرار في كيفية علاج المريض الذي بين أيديهم. وهو ما يعني كسر احتكار شركات الأدوية في تقرير ما يتم نشره من دراسات، وما يتم دفنه في دهاليز الأرشيف. وتأتي هذه الإجراءات، بعد ما أظهرت مراجعة قام بها علماء معهد ديوك للبحوث السريرية (Duke Clinical Research Institute) في الولايات المتحدة، أن معظم الدراسات التي يجريها العلماء والأطباء على الأدوية والعقاقير الجديدة، هي دراسات معيبة، وربما تكون أيضاً دراسات غير أخلاقية من الأساس. ففي دراسة إحصائية واسعة النطاق، غطت أكثر من 100 كلية طب في الولايات المتحدة، قام باحثو المعهد بسؤال الأطباء في تلك الكليات عما إذا كانوا يلتزمون بالتوصيات الدولية الضامنة لنزاهة البحوث الطبية عندما تكون بحوثهم الممولة من إحدى شركات الأدوية تدور حول دواء جديد تعتزم الشركة طرحه في الأسواق. وبعد تجميع وتحليل إجابات الأطباء، توصل الباحثون إلى حقائق يمكن وصفها بأنها مؤسفة ومخيفة، وتقوض أسس الثقة المتبادلة بين المرضى وأطبائهم. ولكن تكمن مشكلة تحقيق هدف رفع مستوى النزاهة والمصداقية في البحوث الطبية، في أن منظمة الصحة العالمية ليست هيئة تشريعية أو تنفيذية، ولا تملك سلطة قانونية لفرض مثل هذه التوصيات على العلماء والشركات. ولحل هذه المشكلة، استعانت المنظمة بمجموعة عمل، مكونة من رؤساء تحرير المجلات العلمية والطبية في العالم، والمعروفة باللجنة الدولية لرؤساء تحرير المجلات الطبية (International Committee of Medical Journal Editors). هذه المجموعة قررت ألا يتم نشر أية دراسة في دورياتها ومجلاتها، ما لم تكن قد سجلت منذ بدايتها في السجل المقترح من قبل منظمة الصحة العالمية. فرغم وجود عدة سجلات حالياً، لتدوين الدراسات الطبية، إلا أن للباحثين الحق في تأخير التسجيل إلى مراحل متقدمة من الدراسة. وما يحدث حالياً هو أن الباحثين لو اكتشفوا في المراحل الأولية من الدراسة، أن النتائج يحتمل أن تكون مخالفة لما ترغبه شركة الأدوية، يمتنعون حينها عن التسجيل، وتظل الدراسة سراً بينهم وبين شركة الأدوية لا غير. أما إذا ما أظهرت المراحل الأولية، أن النتائج ستكون إيجابية، فيسارعون حينها بتسجيل الدراسة، والتحضير لنشرها لاحقاً. ولكن حسب النظام الجديد المقترح، إذا لم يتم تسجيل بيانات الدراسة قبل بدئها، وأعلنت تفاصيلها للجميع من البداية، فلن يتم نشرها في أي من تلك الدوريات الطبية لاحقاً، حتى ولو كانت نتائجها إيجابية. وهو ما يشكل رسالة مباشرة وصريحة، مفادها أنه إذا ما لم تسجل دراستك في البداية، خوفاً من أن تكون نتائجها النهائية عكس ما تشتهي، فلن يتم نشرها أبداً حتى ولو كانت نتائجها إيجابية في النهاية. ولا يتوقع بالطبع أن تستسلم شركات الأدوية العملاقة لمثل هذه الاقتراحات بيسر وسهولة. فصناعة الدواء العالمية، هي صناعة تدر البلايين من الدولارات من الأرباح، إلى درجة أن البعض يصفها بأنها أكثر ربحية من تجارة المخدرات غير الشرعية. فبعد ما أطلقت منظمة الصحة العالمية توصياتها من خلال مؤتمر صحفي قبل أيام، سارع ممثلو الشركات بالاعتراض، بناء على أن تلك التوصيات ستعرض المبادرات العلمية والتجارية لخطر المنافسة، بسبب الكشف عن تفاصيلها في مراحل مبكرة جداً. ولكن رغم هذه الاعتراضات، ورغم أن نظام التسجيل سيكون طوعياً، إلا أن التوقعات أن تصبح تلك التوصيات واقعاً يومياً. كنتيجة لتراجع ثقة الأطباء حالياً في مصداقية ما تدعيه الشركات، والمترافق برغبتهم في اتخاذ قراراتهم اليومية في عياداتهم بناء على جميع المعطيات. وانطلاقاً من إدراكهم لجميع جوانب الصورة العلمية، دون أدنى كذب أو حتى مجرد تجميل. د. أكمل عبد الحكيم