لقد كنت في زيارة إلى وارسو للمشاركة في مؤتمر لمنظمة الأمن والتعاون الأوروبي حول الإسلاموفوبيا, عندما تلقيت مقالاً نشر للتو في صحيفة "نيويورك صن" المعروفة بحضها على الكراهية والحقد. حمل ذلك المقال عنوان "ثلاث أساطير حول الإسلام" وادعى كاتبه أنه وبسبب الاستقامة السياسية الليبرالية, فقد خدع الأميركيون بتصديقهم لجملة من المعلومات "غير الدقيقة" حول الإسلام, منها كونه ديانة مسالمة متسامحة, وأنه يتعرض للهجوم والعدوان. أما "الحقيقة" –من وجهة نظر ذلك الكاتب- فهي أن العكس هو "الصحيح" تماماً. وقال الكاتب إن هذه الديانة التي ينتمي إليها حوالى مليار ونصف المليار مسلم, تعتبر "خطراً" لابد من التصدي له! وبالطبع فإن في هذا الادعاء تشويهاً وإساءة لتاريخ الإسلام, قصد منهما إثارة الخوف وعدم التسامح تجاه الإسلام ومعتنقيه. وهذه الصورة عن الإسلام, هي بالضبط ما تروج له وزيرة الخارجية الأميركية السابقة مادلين أولبرايت في كتابها الجديد المعنون "القوي والجبار". وعلى رغم كون هذا المقال الواسع الانتشار الآن, سخيفاً ومزعجاً, إلا أنني لم أكن لأنفعل به بكل هذا القدر, لولا أن كاتبه يحمل صفة مستشار أول بمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية, وهو لاشك من أرفع مؤسسات ومراكز البحث بواشنطن. والأمر الثاني الذي أزعجني أن المقال يجري توزيعه على نطاق واسع عبر قوائم طويلة من عناوين البريد الإلكتروني, وأن الذي يتولى توزيعه مسؤول بمكتب "لجنة اليهود الأميركيين" بواشنطن, وهي من أكبر المنظمات اليهودية الأميركية. ومن مقر تواجدي بوارسو, كتبت إلى لجنة اليهود الأميركيين، مطالباً إياها بتوضيح ما حدث. وأشرت في رسالتي إلى أنه وفيما لو وزع أحد المسلمين أو العرب الأميركيين مقالاً مشابهاً عبر البريد الإلكتروني, رسم خلاله صورة مسيئة عن اليهودية, لكانت اللجنة قد نعتته على الفور بالعداء للسامية, وهو نعت صائب وفي محله تماماً في تلك الحالة. فلماذا تفعل اللجنة بالإسلام والمسلمين ما لا ترضاه هي لديانتها وأتباعها اليهود؟ وتلقيت على استفساري هذا ردين مختلفين, قال كاتب أحدهما إنه يتفق، وفي الوقت نفسه يختلف مع ما جاء في المقال في عدة مواضع, وإن ما قاله الكاتب عن عدم تساوي الأديان من حيث أبعادها الأخلاقية هو أمر "صحيح", بينما أكد الكاتب الآخر مشروعية بعض ما جاء في المقال, على رغم افتقاره إلى "الحساسية" اللازمة. وكان ردي المباشر عليهما معاً أن "استحوا" من أنفسكم ومما تقولون. فالمقال المذكور لم يكن "خشناً" فحسب, ولا يفتقر إلى "الحساسية اللازمة" كما قيل, وإنما كان شديد التعصب والعداء للإسلام. ثم إن منظمتكم "لجنة اليهود الأميركيين" تدعي الدعوة لبناء ونشر التفاهم المشترك بين كافة الأديان في أميركا, فإلى أي مدى يمكن إدراج المقال المذكور في هذا الهدف الديني النبيل؟ ففي الموقع الإلكتروني للجنة اليهودية, نطالع صفحة تعطي اهتماماً خاصاً لـ"العلاقات الإسلامية- اليهودية" وردت فيها الفقرة التالية: "إن اليهودية والمسيحية والإسلام هي الديانات الإبراهيمية الثلاث, التي تعود جذورها إلى عهد إبراهيم. وإذ نستعيد كلمات جيمس هاريس, فإن من الواجب أن تذكرنا الجهود المبذولة في مجال التعاون الإسلامي- اليهودي, بتلك العلاقات الطويلة الغنية المتبادلة, التي أسهمت فيها جهود التعاون التاريخي بين الطرفين في عدة بلدان, وأن نذكر تلك المواهب الخارقة التي أثمر عنها ذاك التفاعل, بكل ما قدمه للبشرية من معارف وثقافة. والآن ونحن نواجه مستقبلنا, فستوجه جهود لجنة اليهود الأميركيين المبذولة في مجال العلاقات الإسلامية- اليهودية, إلى تمهيد أرضية التفاهم والتعاون بين مختلف الأديان والجماعات الدينية, وهو أمر ستكون له أهميته البالغة والاستثنائية". ولما كان مقال "ثلاث أساطير حول الإسلام" يتناقض تناقضاً صارخاً وحاداً مع هذه الرؤية الدينية اليهودية المتسامحة, من حيث النوايا والمضمون, فإنني لأعجب لهمَّة اللجنة اليهودية وحرصها على توزيع المقال, ثم عدم تكليف نفسها واجب الاعتراف بالخطأ أو حتى الاعتذار عنه!