على خلفية ثرائها المتزايد ومكانتها المرموقة على الساحة الدولية، أعلنت أستراليا، خلال الآونة الأخيرة، عن زيادة كبيرة في حجم المساعدات التي تقدمها إلى الخارج، مساعدات قال عنها بعض المحللين إنها ستساهم في صرف الانتقادات التي كانت توجه إلى كانبيرا بسبب مساعداتها الهزيلة السابقة إلى الخارج. وهكذا يرتقب أن يقفز حجم المساعدات الأسترالية من 1.9 مليار دولار إلى 3.1 مليار بحلول 2010. وستهم هذه المساعدات المجالات الإنسانية في منطقة آسيا-المحيط الهادي مثل الصحة والتربية، مع الإبقاء على المساعدات الحالية المرتبطة بمشاريع احترام القانون وحفظ النظام في بعض دول الجوار. ومن بين المعلومات القليلة المتوفرة كذلك، أفاد التقرير الحكومي حول المساعدات الخارجية، الذي كشف عنه النقاب الشهر الماضي، أنه من المرتقب أن تتزعم أستراليا الجهود الدولية الرامية إلى مواجهة داء الملاريا في المحيط الهادي. وتندرج هذه الخطوة، حسب عدد من المحللين، في إطار مساعي أستراليا منذ الحادي عشر من سبتمبر إلى اعتبار منطقة جنوب شرق آسيا والمحيط الهادي مجالا لاهتمامها ومسؤوليتها. ويرى هؤلاء في تركيز كانبيرا الجديد على المجال الإنساني مقاربة أكثر شمولية في سبيل دعم الاستقرار والتنمية ومشاعر المودة بالمنطقة. ويقول "ساتيش تشاند"، الخبير في المساعدات الخارجية بـ"الجامعة الوطنية الأسترالية" في كانبيرا، "إن التزام أستراليا تجاه المنطقة اليوم شبيه بالمسؤولية التي تشعر بها أوروبا تجاه إفريقيا"، مضيفا "وحكومات المنطقة سعيدة بكون الحكومة الأسترالية تعتزم التركيز أكثر على أمور من قبيل التنمية والصحة، اللذين يعدان ضروريان لأي تغيير حقيقي في الأوضاع". ومن جهتها، أعربت الولايات المتحدة أيضاً عن ترحيبها بالمقاربة التي تنتهجها أستراليا في المنطقة منذ الحادي عشر من سبتمبر، والتي تندرج في إطار شراكة عميقة تبدت بوضوح في واشنطن هذا الأسبوع أثناء استقبال الرئيس الأميركي جورج بوش لضيفه رئيس الوزراء الأسترالي جون هاورد. غير أن الانتقادات القديمة كانت أيضاً من بين الأسباب التي دفعت كانبيرا إلى التحرك اليوم، حيث احتلت أستراليا في 2003 المركز الثالث ما قبل الأخير في ترتيب الدول الإحدى والعشرين الغنية الملتزمة بمساعدة الدول النامية، وذلك وفق تقييم مجلة "فورين بوليسي". وعلاوة على ذلك، صنف مؤشر "الالتزام بالتنمية"، الذي وضعته المجلة و"مركز واشنطن للتنمية العالمية"، أستراليا بالقرب من مركز الصدارة بخصوص سياساتها التجارية، ووسط الترتيب في ما يخص الهجرة، وفي ذيل الترتيب فيما يخص الاستثمارات في الدول النامية، وجهود حفظ السلام، والتأثير على البيئة. ويقول ستيوارت ريس، مدير مركز دراسات السلام والنزاعات بجامعة سيدني، "شعور أستراليا بالخجل هو ما دفعها إلى التحرك أخيرا. لقد كان هذا البلد قبل ثلاثين سنة من أشد المدافعين عن حقوق الإنسان والتنمية، غير أن ذلك سرعان ما تغير حيث أصبح شحيحا فيما يخص المساعدات التي يقدمها للخارج، كما أنه غرق في مواضيع السيادة التي عفا عنها الدهر". وفي هذا الإطار، أشار "ريس" إلى جزر سليمان، البلد الفقير المجاور الواقع جنوب المحيط الهادي والذي يعاني من الاضطرابات العرقية، كمثال على خطأ أستراليا في ترتيب أولويات المساعدات حين ربطتها بالقضايا الأمنية، إذ يقول "لقد اكتفت كانبيرا بإرسال أفراد من الشرطة والأسلحة إلى "هونيارا" في 2003، ولذلك فقد عجزت عن وقف أعمال العنف التي اندلعت بعد الانتخابات هذا العام، وذلك لأنها لم تقم بما يلزم عمله خارج العاصمة من قبيل توفير الوظائف والتربية والصحة". إلى ذلك، وجد تقريرٌ لمؤسسة "وورلد فيجن أستراليا"، صدر قبيل التقرير الحكومي، أن المساعدات الأسترالية المخصصة لاحترام القانون وحفظ النظام تضاعفت بعشر مرات لتقفز من 31.5 مليون دولار إلى 323 مليون دولار. كما ارتفع حجم المساعدات المخصصة للإدارة من 230 مليون دولار إلى 365 مليون دولار، ولاسيما في بابوا نيو غينيا وجزر سليمان. ويركز التقرير الحكومي بصفة خاصة هذه المرة على جنوب شرق آسيا، التي تضم 95 في المئة من فقراء المنطقة (أولئك الذين يحصلون على أقل من دولار في اليوم). غير أن المنطقة لم تتوصل حتى اليوم سوى بثلث المساعدات الأسترالية، فيما تلقت منطقة المحيط الهادي، التي تضم 5 في المئة فقط من فقراء المنطقة، 50 في المئة من المساعدات. ولذلك يظل القلق قائماً، إذ يقول "تيم كوستيلو"، رئيس "وورلد فيجن أستراليا"، "لا يبدو أن ثمة دعماً قويا واضحاً لدول مثل كمبوديا ولاوس، اللذين يعدان من أفقر دول المنطقة". ويضيف "كوستيلو" أنه في حين أن التقرير الحكومي يضع إطاراً استراتيجياً مطوراً يروم التخفيف من وطأة الفقر في المنطقة ويُعد "أهم زيادة في المساعدات الخارجية منذ عدة سنوات، إلا أنه ما زال دون التزامات دول غنية أخرى". وبالفعل، فبحلول 2010، يرتقب أن تكون أستراليا قد أنفقت 0.38 في المئة فقط من داخلها الوطني الإجمالي على المساعدات، وهو ما يعتبر دون الرقم الذي تهدف إليه الأمم المتحدة والمتمثل في 0.7 في المئة، وستحتل بذلك أستراليا الرتبة الثامنة عشرة من حيث المساعدات الخارجية من أصل الدول الاثنتين والعشرين المتقدمة. غير أن إعلان الحكومة عن اعتزامها العدول عن سياسة ربط المساعدات بضرورة أن تكون الشركة المتعاقد معها أسترالية كان محل تأييد وترحيب كبيرين من قبل المراقبين. وفي هذا السياق، يقول "تيم أوكنار"، المدير التنفيذي لمؤسسة "مراقبة المساعدات" وهي منظمة مستقلة في سيدني تناضل من أجل الاستعمال الإيجابي لأموال المساعدات الأسترالية في الخارج، "فيما قبل كان الأستراليون المستفيدين من العقود. أما اليوم فثمة الشفافية والمنافسة المفتوحة". وينضم القرار الأسترالي إلى قرارات دول أخرى سارت في اتجاه عقد مناقصات مفتوحة وشفافة من أجل فعالية أكبر للمساعدات. جاناكي كريمار ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مراسلة "كريستيان ساينس مونيتور" في سيدني ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"