لماذا يكره العالم أميركا؟! -------- في القرن التاسع عشر وصف الروائي الإنجليزي الشهير تشارلز ديكنز الأميركيين بأنهم صارمون جداً في مجال الأعمال، ومنافقون جداً في تعلقهم بالحرية نظراً لما يسومونه السود من سوء المعاملة، فضلاً عن أنهم لا يأبهون بالمكان الذي يبصقون فيه التبغ الذي يلوكونه. وما عدا الملاحظة الأخيرة التي اختفت ولم يعد لها وجود، مازال العديد من سكان العالم ينظرون إلى أميركا عبر عدسات المنظار السلبي نفسه الذي كان سائداً في عصر الروائي الإنجليزي. هذا على الأقل ما يحاول أن يوضحه أندرو كوهوت، مدير مركز "بيو" للأبحاث وبروس ستوكر، أحد المعلقين الأميركيين البارزين، من خلال كتابهما المعنون: "أميركا ضد العالم: كيف نحن مختلفون، ولماذا نحن مكروهون؟". من خلال الكتاب يسعى المؤلفان إلى كشف النقاب عن الأسباب الكامنة وراء النظرة السلبية التي باتت تأسر صورة الولايات المتحدة في أغلب مناطق العالم حسب نتائج استطلاعات الرأي. فبينما يرى المؤلفان أن ظاهرة مناهضة أميركا ليست بالجديدة تماماً، إلا أنها أصبحت اليوم خليطاً من الشكاوى المختلفة التي يلقي بها العالم في وجه أميركا. هذه الشكاوى التي تتوزع بين التأثير الكاسح للثقافة الشعبية الأميركية على ثقافات الشعوب الأخرى في ظل التواجد القوي واللافت للسينما الأميركية، وبين أسلوب العمل الأميركي الذي يتميز بساعات طويلة مؤثراً بذلك على أسلوب العمل في الدول الأخرى. وحتى فيما يتعلق بالسياسة الخارجية الأميركية يلاحظ المؤلفان أن الاحتجاج عليها واستنكار بعض أساليبها ليس بالأمر الجديد. فخلال سنوات عديدة دخلت دول أميركا اللاتينية في صراع مرير ضد الهيمنة الأميركية تجلى أحد فصوله في الهجوم الذي تعرض له موكب الرئيس ريتشارد نيكسون من قبل المحتجين أثناء زيارته إلى فنزويلا سنة 1958، وفي المظاهرات الحاشدة التي استقبلت الرئيس بوش خلال زيارته للأرجنتين في السنة الماضية. ورغم انحصار الشعور المناهض لأميركا غداة الحرب العالمية الثانية بفضل التدخل الإيجابي للولايات المتحدة ومساهمتها في إنهاء الحرب، فضلاً عن تقديمها يد العون للدول الأوروبية المنهكة لإعادة بنائها ضمن مشروع مارشال، إلا أن الشعور بالامتنان بدأ يتلاشى سريعاً، لاسيما خلال فترة الستينيات التي شهدت التورط الأميركي في حرب فيتنام. وفي الثمانينيات أدت المقاربة المتشددة لإدارة الرئيس ريغان مع موسكو وما نتج عنها من نشر الصواريخ الأميركية في أوروبا الغربية لمواجه الاتحاد السوفييتي إلى تأجيج المشاعر المناهضة للولايات المتحدة. أما اليوم فيعتقد المؤلفان أن النظرة السلبية للعالم تجاه أميركا لم تعد حبيسة السياسة الخارجية، بل أصبحت تضرب عميقاً في نمط الحياة الأميركي الذي بدأ يلقى معارضة قوية حتى في ظل انتشار المنتجات الأميركية في العالم. وربما تكون هذه المرة الأولى التي يصبح فيها الشعب الأميركي مكروهاً إلى جانب حكومته بلاده. هذا ولم ينفع رداء الضحية الذي حاولت أميركا التدثر به عقب أحداث 11 سبتمبر، حيث بدأ القناع يسقط بسبب تركيز الولايات المتحدة على الحل الأمني لا السياسي في حربها ضد الإرهاب. ففي 2002 أظهر استطلاع للرأي أجراه معهد "بيو" وشمل 38 ألف شخص من 44 دولة تراجع صورة أميركا في العالم مقارنة مع نتائج استطلاعات أخرى قامت بها وزارة الخارجية الأميركية قبل 2002. ورغم أن انحسار مكانة أميركا كان واضحاً في أغلب الدول الإسلامية، إلا أن انحدار الشعبية امتد أيضاً إلى دول أوروبا الغربية. وبعد سنة على إجراء الاستطلاع الأول، وتحديداً في سنة 2003 التي شهدت الغزو الأميركي للعراق أظهر استطلاع للرأي شمل 16 ألف شخص موزعين على 20 دولة أن شعبية أميركا في العالم لم تنحدر فحسب، بل دخلت مرحلة سقوط حُر. والملفت للنظر حقاً حسب المؤلفين هو النطاق الجغرافي الواسع الذي تأثر بالشعور المعادي لأميركا بعد 2003. فلم يعد الأمر يقتصر على أوروبا الغربية والعالم الإسلامي، بل امتد العداء أيضاً ليجد له مستقراً في البرازيل حيث شهدت نسبة المؤيدين لأميركا في استطلاعات رأي سابقة انخفاضاً قدر بـ34%. أما في روسيا حيث كان معدل التأييد لأميركا قبل الحرب على العراق يبلغ 61% فتراجعت تلك النسبة لتصل إلى 36% خلال عام واحد. وكشف استطلاع آخر للرأي شمل خمسة عشر بلداً أوروبياً أن الأوروبيين يضعون الولايات المتحدة وإيران على مستوى واحد من الخطورة على السلم والأمن العالميين، خصوصاً في بلدان مثل اليونان وإسبانيا وفنلندا والسويد التي اعتبر سكانها أن أميركا تشكل الخطر الأكبر على الاستقرار العالمي متجاوزة إيران وكوريا الشمالية. وحتى في المملكة المتحدة التي تعد من أقرب الحلفاء إلى الولايات المتحدة يعتقد 55% من سكانها بخطورة واشنطن على العالم. ويخلص المؤلفان في النهاية من خلال استطلاعات الرأي التي أجرياها إلى أن السبب الرئيسي للكراهية المتصاعدة ضد أميركا لا يرجع فقط إلى عوامل موضوعية مثل السياسة الخارجية بقدر ما يرجع إلى سوء الفهم المستشري في العالم إزاء النوايا الحقيقية لأميركا التي غالباً ما يتم ربطها بالإمبريالية والرغبة في الهيمنة العالمية. غير أن دفاع المؤلفين المشروع عن بلديهما لن يكتسب قوة الإقناع المصداقية ما لم تثبت أميركا للعالم أنها لا تحاول بناء إمبراطوريتها التوسعية على حساب مصالح الشعوب ومقدراتها. زهير الكساب --------------- الكتاب: أميركا ضد العالم: كيف نحن مختلفون، ولماذا نحن مكروهون؟ المؤلفان: أندرو كوهوت، وبروس ستوكر الناشر: تايمز بوكس تاريخ النشر: مايو 2006