الخطاب (التاريخي) لشارون في (مؤتمر هرتزليا) جاء نتيجة تداعيات وإرهاصات عديدة لها علاقة بحصيلة السنوات الثلاث التي مضت على توليه قيادة دفة الشؤون الإسرائيلية· ومما يجدر ذكره أن شارون، في الانتخابات العامة الأخيرة، كان قد فاز بنسبة مئوية لم يفز بها أي رئيس وزراء إسرائيلي منذ تأسيس الدولة العبرية في عام 1948· ومع أن الانتفاضة الفلسطينية الكبرى الثانية كانت حينئذ في بداياتها، إلا أن الاقتصاد الإسرائيلي باشر في التدهور بقوة ضربات المقاومة المتنوعة، وبدأ الإسرائيليون يعانون على مختلف الأصعدة· يومها، وعد شارون الشعب الإسرائيلي بالقضاء على الانتفاضة خلال مئة يوم، وكان هذا الوعد هو سبب تكتل أحزاب اليمين خلفه وانتخابه بهذه النسبة العالية من الأصوات· أما وقد مضى الآن قرابة ألف يوم على وعد شارون، فما الذي حصل بالفعل؟ وماذا سجلت فترة حكم شارون في المجالات الأمنية والسياسية والاقتصادية؟
على الصعيد الأمني، ازدادت الهجمات داخل الدولة الصهيونية مسفرة عن عديد الخسائر البشرية والاقتصادية والمعنوية الإسرائيلية· بل إن جزءاً كبيراً من الاستثمارات الأجنبية هرب إلى الخارج، وازداد عجز الميزان التجاري الإسرائيلي، كما تدهورت الأحوال المعيشية وانتشر الفقر بسبب تضخم الميزانية العسكرية الصهيونية على حساب أموال وزارة الرفاه الاجتماعي· ومع الزمن، تأكد لشارون وائتلافه اليميني استحالة كسر إرادة الأهل في فلسطين· فقد كان للصمود الأسطوري للشعب الفلسطيني، وتضحياته، وتمسكه بأهدافه الوطنية، الأثر الكبير في نمو المعارضة لحكومة شارون ضمن أحزاب اليسار واليمين الإسرائيلي· بل إن تلك المعارضة وصلت إلى المؤسسة العسكرية ذاتها· فقد أعرب الجنرال موشيه يعالون، رئيس الأركان الإسرائيلي، عن امتعاضه من غياب أي أفق سياسي لحكومة شارون، وعن اقتصار برنامجها على الحل العسكري تجاه الفلسطينيين· وفي مؤتمر هرتزليا، في الأسبوع الماضي فقط، ولأول مرة منذ بدء الانتفاضة، عبّر رئيس جهاز الاستخبارات الإسرائيلية (الشاباك) بفضل الأجهزة الأمنية الصهيونية مجتمعة عن توفير الأمن للإسرائيليين· وقد سبق وأعرب عدد متزايد من العسكريين، وبخاصة الطيارين، عن رفضهم القيام بمهمات في المناطق الفلسطينية المحتلة، إضافة إلى التصريحات الخطيرة التي أدلى بها أربعة من القادة السابقين لجهاز (الشاباك)· فلقد أعرب هؤلاء الأخيرون عن قلقهم العميق على مستقبل الدولة العبرية نتيجة لممارسات حكومتهم التي تتناقض كلية مع التطلع إلى السلام، و(إنه إذا لم تتحول هذه الحكومة عن مسار التمسك بأرض إسرائيل الكاملة فإننا نسير نحو الهاوية)·
أما من الناحية السياسية، فقد شكّلت تصريحات شارون في مؤتمر هرتزليا، وكذلك تصريحات الصقر الليكودي (المخضرم) إيهود أولمرت تراجعا كبيرا عن فكر الليكود الذي طالما رفض التنازل عن أي شبر من الأراضي المحتلة! ولا تزال الانتقادات تنهال ضد (تراجع)، بل (خيانة)، كل من شارون وأولمرت! ولم يتوقف الأمر عند ذلك· فقد انبرى الوزير طوني لبيد (زعيم شينوي) ليعلن بأنه (يتفق مع أولمرت على وجوب اتخاذ إجراءات من جانبنا لتسريع المسيرة السلمية وخريطة الطريق)· وبسبب رفعة منصبه السياسي (القائم بأعمال رئيس الحكومة) وبحكم صلاته الشخصية والسياسية مع شارون، كانت تصريحات أولمرت قد أثارت غضب أطياف اليمين الإسرائيلي المتطرف· فلقد دعا مجلس المستوطنات في الضفة الغربية رئيس الحكومة شارون إلى إقالة أولمرت، وانتقد الوزير إيفي إيتام (كتلة المفدال) تصريحات القائم بأعمال رئيس الوزراء بشدة لأنها تحظى بدعم معين من شارون· وأكد إيتام بأن حزبه لن يكون شريكا في حكومة يكون هذا توجهها· غير أن شارون نفسه، كان قد أعلن، منذ أشهر، عن تأييده لقيام دولة فلسطينية وإخلاء بعض المستوطنات في الضفة الغربية وقطاع غزة على رغم معارضة حزبه· يومها، هدف شارون من تلك التصريحات إلى امتصاص النقمة المتزايدة (دوليا وإسرائيليا) ضد استمرار الوضع الراهن الذي أدخل الإحباط واليأس إلى نفوس الإسرائيليين، بالإضافة إلى تدهور اقتصادهم، وعزلتهم الدولية، وظهور مؤشرات على بداية تفكك الائتلاف اليميني· طبعا، (التنازلات) التي أعلن عنها شارون وأولمرت سواء يومئذ، أو لاحقا في مؤتمر هرتزليا، لم تكن كافية لإرضاء اليسار الإسرائيلي (والجانب الفلسطيني بل والعربي ومعظم الأطراف الأوروبية وبعض المسؤولين الأميركيين) حيث رأوا فيها مناورة سياسية اعتاد شارون على إطلاقها في ظروف سياسية خاصة· ومن جهتهم، رأى فيها قادة اليمين (تنازلات مؤلمة) وهددوا بالوقوف ضدها وضد أي تنازل للعرب وبأنهم سينسحبون من الحكومة ولن يعطوا شارون أي هامش للمناورة حتى لا تتحول مناوراته إلى سياسة ثابتة بفعل الضغوط الخارجية!
لم يعادل فشل شارون في النطاق الأمني سوى فشله في المجال الاقتصادي· فالمتتبع لمسيرة الاقتصاد الإسرائيلي يندهش لحجم الانهيار والركود الذي أصابه خلال السنوات الثلاث الماضية· فإسرائيل تعيش أزمة اقتصادية خانقة سببتها -إ