... التحولات التي عصفت بالساحة الدولية في أعقاب انهيار منظومة الكتلة الشرقية في مطلع تسعينات القرن الماضي ، أفرزت ، من بين ما أفرزت ، ما اصطلح على تسميته مدونة السلوك الدولي الجديد، التي تعتبر بمثابة جواز المرور لدخول نادي الدول ذات النظم السياسية الراشدة ، حيث يتعين على الساعي للتأقلم معها ، تكييف نظمه السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية ، وإعادة ترتيبها وتوفيقها مع الأوضاع الجديدة ، وإلا لن يصبح مؤهلا لها ، وبالتالي يواجه العواقب ، التي قد تكون وخيمة في أغلب الأحيان ·
...هذه المدونة ، التي من عناوينها العريضة احترام حقوق الانسان ومكافحة الارهاب والتخلص من أسلحة الدمار الشامل ، إن وجدت ، وعدم السعي الى امتلاكها ، والتوجه نحو اقتصاد السوق ، وحماية رؤوس الأموال والاستثمارات من آفات التأميم والمصادرة ونحوها ، ليست من صنع الولايات المتحدة الأميركية وحدها ، بالرغم من تبوئها مركز القيادة في هذه التحولات ، كما يجادل ويغالط البعض من بقايا الحقبة السوفيتية والحالمين بوراثتها ممن اتخذوا لأنفسهم مسميات وأطرا ترفع شعارات قومية ودينية ، وإنما هي نتاج حقبة طويلة من الصراعات الداخلية والاقليمية والدولية ، تخللتها حروب ونزاعات اهلكت الكثير من الحرث والنسل ، مضيعة على الدول والشعوب فرصا قد لا تتكرر لتغيير وجه الحياة الى الأحسن ، والخروج من دوائر البؤس السياسي والعوز الاقتصادي والحرمان الاجتماعي والخواء الروحي والفكري التي تتخبط فيها نتيجة لوجود أنظمة حكم على شاكلة النظام السوفيتي ، الذي أهدر سبعين عاما من حياة الشعب الروسي وبعض شعوب أوروبا وآسيا الوسطى في السجون الجماعية والمزارع الجماعية والقبور الجماعية ، وفي صنع أسلحة الدمار الشامل التي اقتطع تكلفتها الباهظة من قوت الشعب ·
لا نقول إن مدونة السلوك الدولي الجديد هذه ، قد تقيم عالما آمنا خاليا من القمع والاضطهاد وأسلحة الدمار الشامل ، لكنها على الأقل أثبتت فاعليتها في أفغانستان - على سبيل المثال - حين أقدم نظام '' طالبان '' على إيواء الخارجين على القانون والملل ، وقولب الشعب الأفغاني في داخل قالبه المتخلف والخارج عن دائرة العصر ، والنهاية العبرة لجزار البلقان سلوبودان ميلوسيفتش عندما أشعل المحرقة العرقية لشعوب البلقان ، وأخيرا وليس آخرا الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين الذي أبيوتجبرواستكبر ومضى في طغيانه على شعبه وعلى شعوب المنطقة ، فكانت خاتمته المعروفة ، وبئس الخاتمة ·
قصور وتراخي وتخاذل المدونة عن تعديل وتقويم اعوجاج وانحراف السلوك السياسي لرئيس الوزراء الاسرائيلي ارييل شارون ، يزيد من علامات الريبة والشك لدى الشعب الفلسطيني والشعوب العربية والاسلامية ، في انتقائية المدونة وعدم شموليتها لقضية تهدد بإفساد كل ما تحقق من تقدم على صعيد بناء عالم جديد خال من المظالم والمنغصات ، وعامر بالسلام والأمن والرخاء.