عجباً، ما سبب اختلاف تعافي الاقتصاد في عهد (بوش) عن كل أنواع التعافي الأخرى؟! إن التباطؤ الاقتصادي شيء لا يختلف تعريفه في كل الأحوال، لكن فترات التعافي بالذات تشهد بروز ووضوح السمات الرئيسية للاقتصاد المتغير. وتعافي الاقتصاد الأميركي يختلف اختلافاً جذرياً عن كل حالة من حالات النكوص التي عانت منها البلاد منذ الحرب العالمية الثانية، إلى درجة أن المرء لا يجد بداً من التعجب والتساؤل، فكأننا لا نعني بالحديث البلد ذاته!
بعد تحقيق تقدم ضئيل في فصل من السنة بعد آخر، نجد أن اقتصاد الولايات المتحدة ببعض المقاييس آخذ في التراجع والتقهقر، إذ تجاوز معدل النمو السنوي حد 8%، في حين أن الانتاجية ازدادت بنسبة تفوق 9%ومن المؤكد أن نسبة التوظيف ما زالت منخفضة حيث بلغ عدد الوظائف الجديدة 2.4 مليون وظيفة فقط منذ تولي (بوش) منصب الرئاسة، غير أنها بدأت أخيراً في تحقيق ارتفاع ضئيل.
وقد كانت هناك بعض المؤشرات التي بدت فيها حتى زيادة الإنتاجية ضئيلة بحكم المقارنة. وقد تبين أن الشركات تمتعت بتعاف ممتاز واستثنائي مستمر، وهي توشك أن تحقق نمواً في الأرباح الفصلية للمرة السابعة. أما أرباح التشغيل التي حققتها الشركات الـ500 المدرجة على مؤشر (ستاندرد آند بورز) فسوف تحقق، بحسب تقديرات الباحثين في مؤسسة(توماس فيرست كول) في بوسطن، ارتفاعاً بمقدار 21.9% فوق الزيادة التي حققتها في العام الماضي. بعد هذا سيقال: من ذا الذي سيطلب أكثر من هذا؟!
لا بأس، الشعب الأميركي سيطلب المزيد. فمنذ شهر يوليو لم يحقق متوسط الأجر الساعي (أي ما يتقاضاه العامل أو الموظف عن كل ساعة عمل) لـ85 مليون أميركي إلاّ ارتفاعاً قدره 3 سنتات فقط لا غير. أما الأجور فقد ارتفعت بمقدار 2.1% فقط منذ شهر نوفمبر 2002 وهو ما يشكل أبطأ نمو في الأجور على الإطلاق منذ 40 عاماً. وقد دأب الاقتصاديون في (معهد السياسة الاقتصادية) على المقارنة ما بين فترات التعافي التسع في الماضي، ويدققون في النمو الذي حققه دخل قطاع الشركات في كل حالة من هذه الحالات التي مرّت بها الولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية. وقد تبين أن حصة نمو دخل الشركات في الحالات الثماني السابقة قد حققت للشركات أرباحاً بلغ متوسطها 26%، وأنه لم يتجاوز على الإطلاق حد 32% في أي من الحالات. لكن الأرباح في التعافي الأخير لا تتحقق إلاّ لـ 46% فقط من دخل الشركات الإضافي.
وقد انعكست الآية هنا، إذ بلغ متوسط تعويضات العمل 61% من إجمالي زيادة الدخل في حالات التعافي الثماني السابقة، وتبين أنها لم تنخفض على الإطلاق إلى أقل من 55% وفي حالة التعافي في عهد (بوش) الحالي، لم يتجاوز متوسط تعويضات العمل نسبة 29% من الدخل الإضافي الذي تحقق للشركات.
وهنا من الجائز أن يأتينا شخص مولع بالمفردات الأثرية والكتب القديمة ليعلّق على الأمر فيقول لنا إن هذا التعافي ليس إلاّ تعافياً للرأسمال وليس للعمل والعمال؛ لا بل إنه في الواقع تعاف للرأسمال على حساب العمل والعمال. لكن ليس فينا نحن الأميركيين من يعشق الأنتيكات والكتب القديمة، فدعونا نتقدم إلى الأمام.
وليس هناك سوى طريقتين لتفسير كيفية حدوث الانهيار المذهل الذي أصاب أهلية العمال الأميركيين للمطالبة بحصتهم المعتادة من الدخل الذي تحققه الأمة.
إن تأمين واستقطاب العمالة والعمل (من مصادر خارجية) مسألة تشكل دون ريب جزءاً من الصورة؛ وقد علّق على الأمر (ستيفن.إس.روش) كبير الاقتصاديين في شركة (مورغان ستانلي)، وقال إن القطاع الخاص الذي يستأجر في التعافي الحالي 8 ملايين عامل وموظف، يشعر بالخجل مما كان من شأنه أن يكون معياراً في حالات التعافي السابقة، إضافة إلى أن الشركات الأميركية، العاملة في مجال التكنولوجيا المتقدمة أو غير المتقدمة، منشغلة الآن باستئجار الموظفين من الأمم الأخرى بأجور أقل بدلاً من استئجار الموظفين الأميركيين.
وقد تضاعف معدل البطالة بين مهندسي البرمجيات الأميركيين، فقط على سبيل المثال، مرتين على مدى السنوات الثلاث الماضية. وتشهد مدينة (بنغالور) الهندية الآن فورة ضخمة اندفعت فيها الشركات الأميركية إلى استئجار مواهب من النوع المتوفر لها بأعداد كبيرة في وادي السيليكون، وتقول مجلة (بيزنس ويك) إن هذه الشركات تقدم الآن مرتبات تبدأ بـ10 آلاف دولار للخريجين الأوائل من اختصاصات الهندسة الكهربائية الهنود في مقابل 80 ألفاً يتقاضاها نظراؤهم هنا في الولايات المتحدة.
وما عليك إلا أن تقول هذا لمبرمجة في منطقة (بالو آلتو) حتى تجدها تتخلى
عن فكرة مطالبة رب عملها أو مديرها بزيادة مرتبها.
ومن المؤكد أن تلك المبرمجة ليست فوق ذلك منتسبة ولا منتمية إلى نقابة أو اتحاد.
في الواقع أن التعافي الحالي ليس التعافي الأول الذي يحدث في الاقتصاد الأميركي الذي تشكل فيه معدلات الأجور العالمية عاملاً مهماً، غير أنه أول تعاف، منذ عهد إصلاحات الرئيس فرانكلين ديلانو روزفلت، يحدث في اقتصاد لا يشكل انتساب العمال في قطاعه الخاص