عنوان هذه المقالة مستقى من تقرير عن أوضاع العلوم في عام 2003 منشور في المجلة العلمية البريطانية (نيوساينتست) New Scientist . أعدّت التقرير، وعنوانه (علم البيولوجيا على الخطوط الأمامية) مراسلة المجلة في واشنطن ديبورا ماكنزي، وتذكر فيه أنها حاولت عبثاً تجنب نظريات المؤامرة، إلاّ أن من الصعب، حسب قولها عدم ملاحظة أن صناعات البيوتكنولوجيا وشركات العقاقير الصيدلانية هي الجهة الرابحة من عسكرة علوم البيولوجيا. هذه الشركات التي لا تكشف إطلاقاً عن أعمالها على غرار ما يفعل علماء البيولوجيا تجني الآن الثمار السخية للعقود العسكرية. ومعروف أن صناعات الأدوية والعقاقير في العالم تتحكم فيها نحو خمس شركات تماثل الإمبراطوريات في الحجم والنفوذ والأموال.
في مناسبات كهذه يصحّ المثل الإنجليزي (بعد السكرة تأتي الصحوة)، وصحوة علوم البيولوجيا أشد قسوة من باقي العلوم. فهي تحتل اليوم الموقع الاستراتيجي لعلوم فيزياء الذرة، وفُرضت عليها قيود أمنية وقواعد استخباراتية تهدد بالقضاء على حرية البحث وتبادل المعلومات، التي تشكل أساس التقدم العلمي وضمانة استخدامه لصالح البشرية. وقد دفعت المخاطر التي يتعرض لها الباحثون والتهديد بالعقوبات في حال تسرب أسرار علومهم كثيراً منهم إلى هجر فروع علمية مهمة في البيولوجيا، التي تُدعى علوم الحياة.
ولم يحدث في التاريخ أن استُخدم العلم كذريعة لتدمير بلد كما حدث في الحرب على العراق بدعوى امتلاكه للأسلحة البيولوجية. التقارير والكتب وشرائط الفيديو حول هذا الموضوع تشكل مكتبة سوداء مقذعة في تاريخ العلوم، ولطخة عار في تاريخ الحضارة العالمية. وهل ينسى ملايين مشاهدي التلفزيون حول العالم وزير خارجية القوة العلمية العظمى يتصرف على منصة مجلس الأمن الدولي كالباعة المحتالين على أرصفة الشوارع ملوّحاً بقارورة صغيرة من جراثيم يدّعى أن العراق يملكها ويمكن أن يستخدمها لإبادة سكان مدن بكاملها خلال لحظات. وقد سُرح في الأسبوع الماضي دون أي تعليق ألمع نجوم حملة الكذب العلمي على امتداد حربي الخليج ديفيد كي، رئيس فريق المفتشين الأميركيين عن أسلحة الدمار الشامل في العراق. وعلى رغم الفشل الذريع في العثور ولو على بضعة غرامات من هذه الأسلحة رصد الكونغرس الشهر الماضي 600 مليون دولار لتغطية نفقات ألف عضو في فريق المفتشين الذين يقضون أوقاتهم بتناول المشروبات الكحولية ولعب الشطرنج في مقر رئاسة الجمهورية في مطار بغداد الدولي. مقابل ذلك جرى تخصيص 26 مليون دولار لموازنة وزارة البحث العلمي في العراق التي دمرت للمرة الثانية خلال عقد من الزمان هياكله الارتكازية ونُهبت مختبراته وأحرقت مكتباته وسُويت بالأرض منشآته الأكاديمية. ويستمر اعتقال القيادات العلمية في العراق خلافاً لاتفاقيات جنيف الخاصة بمعاملة مسؤولي الدول المحتلة. وأعيد قبل أيام توقيف ثلاثة أساتذة في الجامعة التكنولوجية بدعوى عملهم سابقاً في برامج التسلح العراقية. ويتقاضى نحو 9 آلاف عالم عراقي أعيد توظيفهم مرتبات تعادل نصف مرتباتهم في عهد صدام. اعترف بذلك في حديث لوكالة (اسوشيتيد بريس) المستشار العلمي لحكومة الاحتلال في بغداد خضر حمزة، الذي اشتهر عالمياً بكتابه (صانع قنبلة صدام النووية)·
وقبل أن تكذب الولايات المتحدة على العالم كذبت على نفسها حين حقنت نصف مليون جندي أميركي بالمصل المضاد لمرض الجدري، وفرضت قيودا أمنية متعسفة على بحوث البيولوجيا، وخصصت مليار دولار لمشروع خيالي اسمه (الدرع البيولوجي) BioShield، وأنفقت مليارات عدة لتطوير أمصال ضد أمراض نادرة، وأقامت مستودعات لخزن ملايين منها، وأسست معاهد لبحوث الدفاع البيولوجي. لكن حبل الكذب أقصر من أن يقنع نصف مليون طبيب وممرض في الولايات المتحدة· ذكرت مراسلة (نيوساينتست) في واشنطن أن معظمهم رفض حقن نفسه بمصل الجدري. ولا تستبعد المراسلة العلمية أن تصبح الولايات المتحدة نفسها أول ضحية لجراثيم مهلكة طورتها، كجراثيم جُدري الفئران وجُدري الأبقار، التي تشكل الآن مصدراً خطيراً لتجهيز إرهابيين حقيقيين، ومجرمين معتوهين بهذه الجراثيم الفتاكة، أو تعليمهم طريقة صنعها واستخدامها.
مصير مماثل ينتظر أحدث إبداعات علوم الفيزياء، يطلق عليها اسم تكنولوجيا النانو. تعادل النانو جزءاً واحداً من المليار، وتملك التكنولوجيا التي تحمل اسمها القدرة على تصغير مساحة المعدات مليون مرة وخفض استهلاك الآلات للوقود مليون مرة أيضاً. تستخدم تكنولوجيا النانو الذرات المنفردة التي لا تُرى بالعين لبناء معدات وآلات مجهرية يمكن أن تدخل جسم الانسان دون أن يشعر بها وتسير مع تيار الدم في الأوردة إلى القلب أو الدماغ لعلاجهما. وشهد العام الحالي أول مؤتمر لمناقشة الآثار البيئية والأمنية المترتبة على تطوير تكنولوجيا النانو. عُقد المؤتمر في العاصمة البلجيكية بروكسل، وتعالت فيه نداءات التحريض ضد تكنولوجيا وليدة يتوقع أن تطلق ثورة أكبر من تكنولوجيا المايكرو، التي أنتجت المعدات الألكترونية الرقمية ال