هناك معضلة حقيقية تواجه الديمقراطية والديمقراطيين العرب، مطروحة الآن بإلحاح، وهي في وارد ان تتطور بتسارع كبير لتغدو الاشكالية الأكثر تعقيدا في كل ما يتعلق بمسألة دمقرطة العالم العربي·
هذه المعضلة هي ان (المشروع الاميركي) ازاء المنطقة أصبح يتبنى موضوع دمقرطة العالم العربي على قاعدة يتم تردادها والتأكيد عليها تقول: (ان الديمقراطية في العالم العربي هي مصلحة أميركية)·
هذه القاعدة هي الأساس التنظيري لـ(مبادرة الشراكة) الاميركية التي تهدف الى تشجيع الديمقراطية العربية، وهي كذلك الاطار التنظيري والتبريري الذي احتواه خطاب جورج بوش الذي اعترف فيه بأن السياسة الاميركية في المنطقة العربية كانت في الستين سنة الأخيرة لا تأبه بكل ما له علاقة بالديمقراطية وحقوق الانسان· كانت تلك السياسة تدور حول مبدأ مقدس هو تأمين المصالح الاميركية والمصالح الاسرائيلية بأي ثمن ومهما كانت النتيجة· تلك السياسة قادت الى تعقيد بالغ في طبيعة العلاقات العربية - الاميركية، وفاقمت من التطرف وجذرت العداء للولايات المتحدة في المنطقة بعمق ستين عاما!
واليوم عندما تكتشف الولايات المتحدة (ضرورة دمقرطة العالم العربي) لان ذلك يخدم المصلحة الاميركية فإن المسألة تزداد تعقيدا من عدة وجوه·
الوجه الاول هو ان الولايات المتحدة التي عرفناها قديما في المنطقة والتي تلاحق مصالحها بجبروتية وأنانية لا تأبه بمصالح الآخرين، هي نفسها الولايات المتحدة اليوم بل أسوأ· هي فقط تبحث عن مصالحها أنى وحيثما كانت، ولو على حساب مصالح شعوب المنطقة· مصالح هذه الشعوب تترك للظروف وللتفاعلات الجانبية والمخرجات غير المقصودة· اذا قامت الديمقراطية العربية المحكومة ببوصلة المصالح الاميركية وكانت فيها (فوائد ما) جانبية أو اساسية للشعوب العربية فلا بأس· لكن الاساس هو المصلحة الاميركية، والمشكلة هنا ليست نظرية تجريدية، بل عملية وتطبيقية، وهي تتمثل في تشويه هدف العملية الديمقراطية الذي يفترض ان يكون تطوير الاوضاع الداخلية، والانفكاك من الاستبداد، والتخلص من الهيمنة الاجنبية، والبدء في اعادة الكرامة للشعوب والافراد·
عندما يتحول هذا الهدف ليصبح (خدمة المصالح الاميركية) فان جنين الديمقراطية الذي استعصى على الولادة عقودا طويلة سيولد، إن ولد، معاقا او مشوها، وغير مرحب به· ستكون الديمقراطية العربية ذات القابلة الاميركية محط اتهام دائم، وسيوضع الديمقراطيون العرب محط شبهة التوظيف لخدمة المصالح الاميركية، سواء اكانوا ديمقراطيين أصليين من الذين ناضلوا من أجل الديمقراطية خلال العقود التي كانت فيها الولايات المتحدة تناصر الديكتاتورية، أو من الديمقراطيين الجدد المستحدثين الذين يجذبهم الدعم الاميركي المفاجئ لها والشعارات البراقة الجديدة·
وبذلك، ستنفصل الدعوة الى الديمقراطية عن الوسط العام للمجتمعات العربية وتبتعد عن الشارع الذي سينظر إليها بريبة، وتزداد الديمقراطية والديمقراطيون نخبوية على نخبويتهم ويعانون من العزلة والانعزال عنهم·
الوجه الثاني لتعقيد مسألة الدمقرطة العربية على قاعدة خدمة المصالح الاميركية يتمثل في أن مثل هذا الربط الوثيق سوف يكرس الواقع السياسي العربي الحالي بما فيه من وهن وضعف وفساد واهتراء· وسوف يجلب شرعية مفاجئة ايضا للانظمة السياسية الراهنة هي في أمس الحاجة اليها، وذلك لان الولايات المتحدة تعلن انها تريد تغيير هذه الانظمة، او دمقرطتها· هذا اعلان سوف يفيد هذه الانظمة، ويدعمها ويحولها الى أنظمة وطنية في نظر شعوبها· وسيدفع بشرائح وتيارات شعبية وسياسية كانت ناقمة عليها او معارضة لها الى أن تعيد التفكير وتنحاز الى الانظمة السياسية الراهنة مناكفة للولايات المتحدة وضد رغبتها في تغيير هذه الانظمة· سوف يتحصل الكثير من الانظمة على تلميع لم تكن تحلم به جراء استهدافها من قبل الولايات المتحدة، وسوف تعيد انتاج نفسها وتستقوي على معارضاتها التي ستصاب بالحيرة وفقدان البوصلة السياسية· فان هي واصلت معارضتها لهذه الانظمة فستجد نفسها متلاقية مع الاهداف والسياسة الاميركية إزاء الانظمة نفسها· وان هي استقالت من معارضتها فستجد نفسها في مربع الانظمة التي طالما انتقدتها وطالبت بتغييرها· ومعنى هذا ان شللا جوهريا حقيقيا سيصيب اتجاهات وتيارات سياسية عربية عريضة، وعوضا عن ذلك ستحل مناكفات ومماحكات هامشية وثانوية مرتبطة بعملية الدمقرطة المفروضة من قبل الولايات المتحدة· ومن ذلك السجال الذي سوف يثور ويدور حول إن كان هذا الجانب أو ذاك من (الانسجام والخضوع) لتلك العملية مجرد اضافة تجميلية أم تغييرا جوهريا في البنية السياسية المعنية، وهكذا·
الخلاصة العملية، بعد خمس أو عشر سنوات، ستكون اعادة بعث الحياة في الانظمة السياسية الراهنة عن طريقين: الاول حقنة الشرعية الوطنية التي ستعطى لها بسبب استهدافها من قبل الولايات النتحدة، والثاني عمليات (شد الوجه) الديمقراطية التي ستجريها أغلب الانظمة استجابة للمطالب الاميركية، سيول