بعد تغطية إعلامية واسعة النطاق لكارثة المد البحري الزلزالي "تسونامي" في المحيط الهندي في ديسمبر 2004، انتقل محور اهتمام وسائل الإعلام العالمية إلى مواقع كوارث أخرى، على الرغم من أن إقليم آتشيه الإندونيسي تحمل الجزء الأكبر من الخسائر الناتجة عن تلك الكارثة. ولكن ما يزال هناك موضوعان يرتبطان ببعضهما بعضاً ارتباطاً وثيقاً ويتطلبان اهتماماً مستمراً من أجهزة الإعلام أولهما: إعادة الإعمار، وثانيهما الخاص بتنفيذ بنود ما يُعرف بـ"مذكرة التفاهم"، وهي صفقة السلام التي أنهت الصراع الوحشي الذي استمر 29 عاماً بين الحكومة المركزية و"حركة آتشيه الحرة"، والتي تم التوصل إليها بفعل التغيير في مواقف الطرفين في أعقاب "تسونامي".
والسلام في هذه المنطقة أمر في غاية الأهمية لإعادة إحياء الاقتصاد الذي يعاني من البطالة المتفشية، ولتقليص حدة الفقر الذي يؤثر على 40 في المئة من إجمالي سكان الإقليم. وإعادة الإعمار السريعة والإحياء الاقتصادي يعتبران أمرين مهمين للغاية وذلك حتى يمكن إيجاد عمل للآلاف من مقاتلي "حركة آتشيه الحرة"، والاهتمام بضحايا "تسونامي" والصراع الذي استمر في الإقليم طويلاً، وأيضاً لإعطاء الناس حصة في عملية السلام.
وعلى الرغم من أن الشعار الذي استخدمته أجهزة الإعمار التي انتشت بالمستويات غير المسبوقة من المساعدات هو "إعادة البناء بأحسن مما كان"، فإن التقدم الحاصل على الأرض مع ذلك بطيء إلى درجة تدعو للاستياء. فعندما قمت بزيارة منطقة
"ميوراكسا" التي تقع في ضواحي العاصمة" "باندا آتشيه" شهر ديسمبر الماضي، وجدت أنها لا تزال مهجورة كما أنه من بين منازل آتشيه المدمرة بفعل الإعصار والبالغ عددها 120 ألف منزل، لم يتم إعادة بناء سوى 16 ألف منزل (معظمها سيئ البناء والتجهيز) فقط في حين لا يزال الآلاف من السكان عالقين في ثكنات كئيبة وخيام متداعية.
وسوء التنفيذ ليس هو المشكلة الوحيدة التي تعوق جهود إعادة الإعمار وإنما هناك مشاكل أخرى منها النزاع على ملكية الأراضي، والفساد، والحروب الداخلية بين وكالات الغوث الأجنبية التي وعدت بتحقيق أشياء تفوق قدرتها الحقيقية على التنفيذ. والوعد الذي قطعته الحكومة وجماعات الإغاثة على نفسها بأن عام 2006 هو العام الذي ستصل فيه جهودها لإعادة الأعمار إلى أقصى سرعاتها، هو وعد يجب الوفاء به لتلافي مشاعر الاستياء المتصاعدة في الإقليم.
وبالمقارنة مع جهود الإعمار، فإن المرحلة الأولى من السلام حققت نجاحاً بارزاً. فوفقاً لمذكرة التفاهم التي تم توقيعها بين الحكومة وحركة "آتشيه الحرة" قامت الحركة بإلقاء السلاح، كما قامت الحكومة الإندونيسية في المقابل بتخفيض عدد قواتها الأمنية، بشكل كبير، داخل الإقليم.
ولكن الخطوة التالية التي ستركز على انتهاكات حقوق الإنسان، والحقوق السياسية، ستكون هي المرحلة الصعبة. فالقانون الجديد الذي سيتم تطبيقه في المقاطعة ينص على دمج المواد الأساسية لمذكرة التفاهم فيه، كما ينص على تمتع المقاطعة بدرجة أكبر من الحكم الذاتي. ولكن المشكلة أن مشروع القانون الذي قدمته الحكومة الإندونيسية للبرلمان أضعف كثيراً من ذلك الذي كان قد تمت صياغته في آتشيه بالتشاور مع ممثلين للشعب. وقد تميزت المداولات البرلمانية حول هذا الأمر بالبطء وشهدت جدلاً بين هؤلاء الذين يريدون تعزيز المواد القانونية، وهؤلاء الذين يشعرون بعدم الرضا نتيجة لاعتقادهم بأن الحكومة قد قدمت تنازلات لا مسوغ لها لانفصاليي الإقليم.
وقد أدت المعارضة العنيفة من جانب العسكريين وبعض البرلمانيين إلى تعطيل تنفيذ إجراءات أخرى من بين الإغراءات المنصوص عليها في مذكرة التفاهم ومن بينها تأسيس محكمة لحقوق الإنسان، ولجنة لتقصي الحقائق والمصالحة خصوصاً على ضوء ما لمسته من رغبة لدى السكان هناك في الحديث عن المعاناة التي كابدوها أثناء فترة الأحكام العرفية في آتشيه، وخوفهم في الوقت نفسه من التعبير عن هذه المعاناة، لئلا يتم القبض عليهم تعسفياً من قبل قوات الأمن.
قد لا يشكل الصراع من أجل حل تلك النزاعات والمشكلات عامل جذب لأجهزة الإعلام مثل تلك التي شكلتها أمواج "تسونامي"، ولكن الأمر الذي لاشك فيه هو أن الإقليم لا يزال في حاجة إلى المزيد من الاهتمام من قبل المجتمع الدولي وخصوصاً الدول المانحة التي يجب أن تقوم ببذل المزيد من الجهد لضمان سرعة تنفيذ، وجودة عمليات إعادة الإعمار، وكذلك لتحقيق تقدم في عملية السلام.
كما يجب على الاتحاد الأوروبي الذي لعب دوراً رئيسياً في الإشراف على تنفيذ "مذكرة التفاهم"، أن يطالب بمد مهمة المراقبين التابعين له لفترة أطول وليس إلى شهر أغسطس القادم فقط، كما حددت الحكومة الإندونيسية.
إن السلام في آتشيه لم يصل إلى المرحلة التي يمكن القول معها إنه قد أصبح راسخاً ولا رجعة فيه، وجهود إعادة الإعمار لا زال أمامها أيضاً طريق طويل.. ولكن إذا ما قارنا الحالة في آتشيه مع مثيلتها في سيريلانكا، فسنجد فارقاً كبيراً. ففي سيريلانكا أدت الف