أشعلت الولايات المتحدة وبريطانيا الحرب على العراق بحجة البحث عن أسلحة الدمار الشامل وبدلا من أن تجدها في العراق وجدتها افتراضا في ليبيا باختصار شديد تلك هي كل الحكاية· انتصار دامٍ في الأولى وانتصار نظيف في الثانية، فها هو العقيد وبعد طول مكابرة يعلن أمام العالم أن ليبيا·· ستتخلى عن جميع المواد والمعدات التي لها علاقة ببرامج تلك الأسلحة وأنها ستلتزم بمعاهدات الحد من انتشار الأسلحة وتسمح بعمليات التفتيش من قبل الوكالات الدولية· وقد رحبت به مباشرة واشنطن ولندن· قرار شجاع كما وصفه الرئيس الاميركي· تكثيف الانتصارات في الشرق الأوسط، من القبض على صدام حسين إلى الاعتراف الليبي بسعيها لتطوير أسلحة دمار شامل، هدايا أعياد الميلاد تتوالى للحكومتين الاميركية والبريطانية·
تشابه يصل إلى حد التطابق بين الحالة العراقية والحالة الليبية· حكم عسكري، دولة نفطية، خطاب سياسي مراهق ونزعة جنونية للقيادة، عقوبات دولية جرفت معها ثروة البلد، وابتزاز عاطفي مارسه النظامان على العالم العربي لكسر الحصار الدولي على نظاميهما قبل شعبيهما· درسان عربيان مازالا ماثلين لا نحتاج معهما لمؤرخين أو لمراجعة كتب التاريخ· ومن قادسية صدام إلى صهيل المعارك الليبية الدولية وتنازلات العراق الى تسويات لوكربي عار متجدد لم تنته فصوله بعد طالما أن عمليات الابتزاز شهوة تؤججها التنازلات تلو التنازلات· ثمن عودة العراق للمجتمع الدولي كان غاليا· احتلال البلاد ثم رأس النظام· أما ليبيا فثمن عودتها للمجتمع الدولي، ملايين الدولارات ضاعت وضُيعت بسنوات العقوبات والتعويضات والابتزازات ومازالت الرمال الليبية المتحركة تجرف المزيد من الملايين التي صرفت بالسعي لامتلاك أسلحة الدمار الشامل أخطاء تلو الأخطاء، من يتحمل نتائجها؟ سؤال منطقي·
سبقت العقوبات الاميركية التي فرضت إبان فترة حكم الرئيس ريجان عام 1986 العقوبات الدولية، وأضعفت العقوبات التي استمرت سنوات البنية التحتية في ليبيا وجعلتها في حاجة ماسة إلى الاستثمارات وفك الحصار الاقتصادي، وبعد سنوات من الشد والجذب تراخى العقيد ووافقت طرابلس على دفع تعويضات إلى عائلات الضحايا وتمت مكافأة ليبيا على ذلك برفع العقوبات المفروضة عليها من الأمم المتحدة في سبتمبر الماضي· فهل ينتظر العقيد ثمن التخلي عن حلم أسلحة الدمار الشامل برفع العقوبات الاميركية؟ يتعرض الرئيس الاميركي لضغوط من جانب شركات النفط التواقة إلى عقد صفقات مربحة مع ليبيا وتعتقد جماعة الضغط المسماة بـ (يو أس أي إنجيج) التي مقرها واشنطن أن العقوبات كلفت الشركات الأميركية مليارات الدولارات سنويا بسبب توقف الصادرات وهي فرصة ذهبية، دولة نفطية أخرى عقود وصفقات جديدة لن تتركها الشركات الاميركية تتسرب لشركائها عبر المحيط·
التقارب الزمني بين الحدثين أثار ملاحظة أن العقيد قد استوعب درس العراق، فكانت سلسلة التنازلات، لكن ثمة مؤشرات تثبت بأن التقارب لا يعني التطابق ، فهو لم يستوعب الدرس الليبي أصلا، فقميص يوسف الذي تباكى علية لسنوات وموجة الابتزاز العاطفي العربي التي أشعلها العقيد لدعم المتهمين الليبيين والنظام الليبي في القضية الأشهر لوكربي، ودموع إخوة يوسف التي ذرفها النظام الليبي بعد إدانة المتهم الليبي باعتبارها إدانة للنظام كلها تهاوت مع ارتفاع فاتورة التعويضات المليونية لأسر الضحايا، وسط ذهول العالم العربي·· نعم اعترف آخر الزعماء العرب الثوريين بحلم أسلحة الدمار الشامل·· بكل بساطة أعلن رئيس الوزراء الليبي شكري غانم ان بلاده قررت أن مصالحها العليا تكمن في تنمية الاقتصاد وتحسين مستوى المعيشة لشعبها· كأنها خدمة عظيمة يسديها النظام الليبي لشعبه، وقال بكل شاعرية خطابية (إننا نحول سيوفنا إلى مناجل حصاد)· وبعد تفكير طويل نسبيا حسمت الحكومة الليبية قرارها: الخبز بدلا من السلاح· لكن ماذا عن شعبَ ليبيا الذي عانى ومازال يعاني من تبذير ثروات بلده دونما حساب خدمة لمغامرات سياسية؟ أين نصيبه من مليارات لوكربي؟ وماذا بعد الاعترافات الأخيرة؟
تتداخل المأساة العراقية مع الملهاة الليبية، فللخروج من محور الشر ثمن، ولعودة العلاقات الليبية الاميركية بعد سنوات من معلقات السباب الثوري ثمن، ولا ننسى أن صكوك الغفران تحتاج دائما الى قرابين حتى لو كانت تلك القرابين شعباُ· لا يهم طالما بقي الكرسي شاغرا.