بركلة خفيفة من أحد قدميه, حرك "ماجات جوب", ملابس صديقه التي كانت مكومة على جانب من المقابر الصحراوية التي كان فيها. وقد لقي ذلك الصديق حتفه غرقاً مع ما يقارب الثلاثين آخرين, ماتوا جميعهم في مياه المحيط الأطلسي في شهر فبراير الماضي. وكانوا كلهم من المهاجرين غير الشرعيين الأفارقة المتوجهين صوب السواحل الأسبانية على متن قارب صغير غير مهيأ لتلك الرحلة الطويلة المحفوفة بالمخاطر. وحتى تلك اللحظة فقد كان من المفترض أن يكون حفارو القبور هناك -على بعد أميال من الساحل- قد تخلصوا من الملابس بحرقها كما جرت العادة. غير أن كثرة انشغالهم بالأعداد المتزايدة من موتى البحار في الآونة الأخيرة, جعلتهم في أشد الانهماك بحفر القبور الواحد تلو الآخر, مستخدمين في ذلك العتلات الحديدية الضخمة, لحفر الأرض الصحراوية الصلبة, في درجات حرارة عالية جداً. ولذلك فهم يقدمون تكفين الميت ودفنه على الطريقة الإسلامية أولاً, ثم يقومون بحرق الملابس والتخلص منها فيما بعد.
وفي تقديرات مسؤولي الشؤون الإنسانية أن ما لا يقل عن 1000 مهاجر من المهاجرين الأفارقة غير الشرعيين, لقوا حتفهم غرقاً خلال الأشهر الأربعة الماضية, أثناء محاولتهم قطع مسافة تقدر بنحو 600 ميل من مياه المحيط الأطلسي العنيفة المتلاطمة الأمواج, على متن قوارب صيد صغيرة ومتهالكة, على أمل الهرب من جحيم الفقر, والوصول إلى جزر الكناريا الأسبانية الواقعة في عرض المحيط الأطلسي.
ومثلهم حاول آلاف آخرون الهرب من جحيم المعاناة الاقتصادية ذاتها, متوجهين إلى السواحل الإيطالية الجنوبية عبر مياه البحر الأبيض المتوسط. ومنهم من غامر بتسلق حواجز الأسلاك الشائكة القاتلة إلى كل من سبتة ومليلية المحتلتين, الواقعتين على سواحل شمال أفريقيا. وبما أن تلك الطرق التقليدية المعهودة للتسلل غير المشروع إلى أوروبا, قد أصبحت شبه مستحيلة ومغلقة أمام المهاجرين والمتسللين, بسبب الحملات الأمنية المكثفة, والرقابة المشددة المفروضة عليها, فقد تحولت موريتانيا إلى معبر جديد وطريق أقصر مؤدية بالمهاجرين الأفارقة إلى أبواب الفردوس الأوروبي المنشود. وبسب إغراءاته وغناه الفاحش في عيون المهاجرين الفقراء, فقد ظل الاتحاد الأوروبي جاذباً لتدفقات المهاجرين سراً إلى أراضيه, من عدة مناطق ودول أخرى على نطاق العالم, منها جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق, والصين، ودول أميركا اللاتينية, وبلدان العالم العربي. وتشكل هذه التدفقات مجتمعة, إحدى أكبر موجات الهجرة الجماعية التي عرفها عالمنا المعاصر.
وعلى الرغم من أن طريق الهجرة الإفريقية الجديد إلى أوروبا عبر موريتانيا, يعد أكثر خطورة من كل الطرق السابقة المعهودة, فإن المتسللين والمغامرين لا يترددون مع ذلك في ركوب رحلات المخاطر والأهوال والموت. يذكر أن نواذيبو هي مدينة ساحلية تجارية تمور بالحركة والنشاط الاقتصادي الدائب, مما جعل منها ثاني أكبر المدن الموريتانية, ويبلغ عدد سكانها نحو 90 ألف نسمة فحسب. ولا يمر يوم واحد إلا وترى أسواق المدينة عامرة بباعة التمر والبرتقال. وعلى امتداد الساحل كله, تنتشر المئات من قوارب الصيد الصغيرة, المحملة بأسماك البوري والقرش وقناديل البحر ذات الألوان الزاهية الجميلة.
وعلى حد تقديرات أحمد ولد حي –رئيس جمعية الهلال الأحمر في المدينة- فإن عدد المهاجرين الأفارقة الطامحين إلى عبور المحيط إلى جزر الكناريا من هناك, يبلغ حوالى 1500 تقريباً, يعمل الكثير منهم بمختلف المهن وأعمال الصيد, أملاً في جمع المال الذي يمكنهم من قطع تلك الرحلة التي تكلف حوالى 1200 دولار. إلى ذلك تقول السلطات المحلية في المدينة, إن قارباً واحداً على الأقل, يمخر مياه المحيط متجهاً من سواحل نواذيبو ومحملاً بما يصل إلى 60 راكباً من المهاجرين في طريق مغامرتهم إلى السواحل الأوروبية في كل ليلة. وتؤكد السلطات أن غالبية هؤلاء المهاجرين من مالي وغامبيا ونيجيريا, وغيرها من دول غرب إفريقيا. والملاحظ أن الكثير من تلك البلدان, قد شهد انفجاراً سكانياً خلال العقود الثلاثة الأخيرة ترافق هجرات داخلية واسعة باتجاه المدن, مما أسفر عن نقص حاد في الوظائف ومصادر الدخل. والنتيجة الطبيعية لكل هذه الاختناقات, هي اندفاع الكثيرين منهم صوب مغامرة الموت هذه, بحثاً وتطلعاً إلى حياة أفضل في القارة الأوروبية.
وإن كانت غالبية هؤلاء تستهدف السواحل الأسبانية بالذات –ومن أهمها جزر الكناريا- فما ذلك إلا لعلمهم بسهولة التخفي في أسبانيا, والتحايل على سلطاتها بموجب التشريعات والقوانين الأسبانية نفسها. ففي حال عجز سلطات الهجرة والجنسية عن تحديد هوية المعتقلين من المهاجرين غير الشرعيين خلال 40 يوماً فحسب, يحال جميع المعتقلين إلى الصليب الأحمر ويسمح لهم بالبقاء في أسبانيا. ولذلك فما أسهل التسلل إلى أوروبا من سواحل جزر الكناريا.
ولكن ربما يغلق هذا الطريق قريباً في وجوه المتسللين, وفقاً للاتفاقيات التي جرى إبرامها مؤخراً بين السلطات الأسبانية والموريتانية. و