استعرضت إحدى الصحف المحلية مؤخراً بعض الإحصاءات والمؤشرات الخاصة بالأطفال المصابين بمرض التوحُّد في الدولة، ومن أبرز تلك المؤشرات غياب المراكز المتخصصة في بعض المناطق التي تعاني انتشاراً ملحوظاً للمرض، خاصة في الإمارات الشمالية، واستعرضت أيضاً عجز المراكز المتوفرة عن استقبال الحالات المصابة نتيجة لكثرة المرضى ووجود أعداد كبيرة على قائمة الانتظار وصلت إلى (180) حالة، ما يؤكد الحاجة الملحة إلى التوسع في إنشاء مراكز متخصصة لا تقتصر على المدن الرئيسية. وتشير البيانات التي نشرتها الصحيفة إلى أن المصابين بمرض التوحُّد منذ أن تم الاهتمام به محلياً وعالمياً قد بلغوا عددا لا يستهان به؛ وأن حالة بعضهم في تدهور وأن التكلفة السنوية لعلاج المصابين تتراوح ما بين 16 إلى 26 ألفاً، وأن في الدولة أربعة مراكز، اثنان منها في أبوظبي وهناك مركز ثالث في دبي والرابع في الشارقة، وتفاوتت نسبة الأخصائيين لكل مصاب ومثل المعدل في بعض المراكز أخصائي لكل أربعة مصابين. والحقيقة أن هذه الأرقام والإحصاءات تعني أن هناك مشكلة صامتة في التعامل مع مثل هذه المرض، الذي يكلف علاجه الأسر المواطنة غاليا، ناهيك عن أن القصور في الإشراف والدعم الطبي للحالات المصابة يسهم في تدهورها ويضيف مزيداً من الأعباء النفسية على الأسر.
ربما لا يكون الوضع أفضل حالاً بالنسبة إلى مواجهة أمراض وراثية كالثلاسيميا التي كشفت الدراسات عن أن نسبة حاملي مورثة "ألفا ثلاسيميا" بين المواطنين تصل إلى نحو 49% تقريبا بمعنى أن من بين كل اثنين من المواطنين هناك واحد حامل لصفة "ألفا ثلاسيميا"، ما يستوجب أيضاً مواجهة جدية تبدأ بزيادة الوعي.
من الصعب القول إن هناك قصورا في مستوى الاهتمام الرسمي بالإنفاق على الرعاية الصحية، فدولة الإمارات تحتل المرتبة الثانية بعد قطر من حيث الدول الأكثر إنفاقاً على الصحة من بين 22 دولة ضمن إقليم شرق البحر الأبيض المتوسط حسب التقارير الأخيرة لمنظمة الصحة العالمية، وهي تقارير تشير إلى أن نصيب الفرد في الدولة من إجمالي الإنفاق على الصحة يبلغ نحو 812 دولارا، في حين يبلغ هذا المعدل في بعض دول الإقليم 246 دولارا إلى أن يستقر عند حد 10 دولارات للفرد في الدول الواقعة في ذيل الترتيب.
وإذا كان هذا هو حال الميزانيات والمخصصات المالية، فما هي المشكلة إذاً؟ وهل هناك مشكلة في تخطيط الخدمات الصحية على المستوى الاتحادي؟ أم أن المشكلة تكمن في تذبذب مستوى الاهتمام الرسمي بخطورة مرض ما، حيث تسلط الأضواء على هذا المرض أو ذاك على أي خلفية كانت ثم سرعان ما يخمد الحماس وتهدأ الانفعالات ويغيب الاهتمام أو على الأقل يتراجع؟ أم أن ميزانية الإنفاق الصحي يذهب في معظمها -مثلما يحدث مع ميزانية التربية والتعليم- إلى بند الرواتب على حساب خطط الوزارة في تطوير الخدمات الصحية خصوصاً في المناطق النائية؟.
الواضح أننا بحاجة إلى إنشاء مختبرات مركزية للأمراض الوراثية وتوسيع الاهتمام بها، وأيضاً توفير مراكز علاج مرض التوحُّد بسرعة تتناسب مع أهمية التدخل المبكر لتقديم الخدمات والرعاية الصحية للأطفال المرضى.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
عن نشرة "أخبار الساعة" الصادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية