رغم مرور أكثر من 27 عاماً على قيام الثورة "الخمينية"، لا تزال إيران، تمثل لكثيرين معضلة مستعصية على الفهم، ولكن يظل إصرار طهران على فرض الأمر الواقع، واحتلال أراضي غيرها بالقوة وعدم قبولها لأي تسوية سلمية لهذا الوضع، وسعيها لبناء قدرات عسكرية تفوق حاجتها الدفاعية، يثير الكثير من علامات الاستفهام التي تبحث عن إجابة من داخل حقيقة الصورة التي تروج لها طهران، ما يتطلب التعرف عن قرب إلى نظرتها لأمنها القومي.


الفصل الأول من الكتاب الذي نعرضه هنا وعنوانه: "الأمن القومي الإيراني مصادر التهديد وآليات المواجهة"، للدكتور ممدوح أنيس فتحي، يتناول المعطيات الاستراتيجية للمعضلة الأمنية الإيرانية، حيث تلعب هذه المعطيات دوراً بالغ الأهمية في تحديد الثوابت والمتغيرات المؤثرة على الأمن القومي لأي دولة، ومن هنا تبرز أهمية دراسة المعطيات الاستراتيجية المؤثرة على الأمن القومي للدولة، وهي تنقسم إلى ثلاثة عناصر: الأول، معطيات الوضع الجيوستراتيجي للدولة، والثاني؛ المعطيات التاريخية، والثالث؛ المعطيات العقائدية.


المعطيات الاستراتيجية جعلت إيران ترى دائماً أن الخليج يرتبط بصورة حميمة مع القومية الفارسية، وتراثها الأسطوري، وذلك بخلاف النظرة الإيرانية للأهمية الاستراتيجية والحيوية للخليج باعتباره يمثل الامتداد الطبيعي والمجال الحيوي لأمنها القومي، وأن فرض سيطرتها عليه يتيح لها حل مشاكلها التجارية والاقتصادية والأمنية، خاصة وأن إيران تواجه ثلاث فجوات أساسية تؤثر في الأمن والاستقرار الداخلي تشمل: الفجوة بين الشعب والحكومة نتيجة لسخط الشعب على القيادات المسؤولة في النظام، الفجوة بين الشعب والنخب السياسية والثقافية لأنهم لا يعبرون عن واقعهم، الفجوة بين الفقراء والأغنياء.


أما في الفصل الثاني، فيعرض لمفهوم الأمن القومي الإيراني ومسؤولية إقراره، خاصة أن قضية الأمن قد احتلت وضعاً مركزياً في السياستين الداخلية والخارجية الإيرانية، ولا نتجاوز إذا قلنا إن إيران حالياً لا تملك سوى "سياسة أمنية"، فعلى الرغم من انتفاء التهديدات الخارجية المباشرة للأمن القومي الإيراني في بداية القرن الحادي والعشرين، خاصة بعد القضاء على حركة "طالبان" في أفغانستان، وصدام حسين ونظامه في العراق، وضعف الحركات الداخلية المناهضة للنظام، إلا أن القيادة الدينية- السياسية الإيرانية لا تزال متمسكة بالتوجه الأمني كمرتكز أساسي في سلوكها الداخلي والخارجي..


وفي الفصل الثالث يتعرض المؤلف إلى منظور إيران للتحديات والتهديدات والمخاطر التي تواجه أمنها القومي, حيث يرى أن استراتيجية الدولة وسياستها نحو تحقيق أمنها القومي تجري في نطاق البيئتين الداخلية والخارجية، أو ما تطلق عليه إيران "المجال الحيوي". إيران تنظر إلى العالم من منظور أيديولوجي، فترى العالم قسمين هما "عالم الشر" أو "المستكبرون" وتقوده الولايات المتحدة الأميركية، و"عالم الخير" أو "المستضعفون" وتقوده إيران، لذا فإن رؤيتها لأمنها القومي تنطلق من طبيعة العلاقة بين دول العالم الكبرى وإيران؛ فهي إما مع طهران وإما ضدها، أما بالنسبة إلى دول الجوار الجغرافي، خاصة الخليجية، فإن طهران ترى ضرورة أن تعترف هذه الدول طواعية بمكانة إيران وقوتها، أو تقوم إيران بفرض الأمر الواقع عليها.


وعند دراسة الأمن القومي الإيراني، يمكن رصد ملاحظات عدة من أهمها: