ها إن الأيّام تثبت مرة بعد مرة كم أن الحالمين من أمثالنا على حق. لقد حلمنا أولاً بوحدة هذه الأمة وبوحدة الوطن الكبير. فلما تكسّر ذلك الحلم على صخرة الحماقات والبلادات التي ارتكبها الكثيرون بحق هذه الأمة استبدلنا ذلك الحلم بحلم صغير متواضع لا يزيد على بناء تضامن عربي متين صادق بين دول هذه الأمة يدفع الشرّ عنها من جهة وينقلها رويداً رويداً ودون هزات نحو بعض الخطوات الوحدوية في مجالات الاقتصاد والثقافة وغيرها. لكن الذين أتعبتهم وعورة طريق النضال وأشواكه لم يقبلوا لنا حتى بالتمسُّك بهذا الحلم الصغير. لقد استمروا في نهج "أنا ومن بعدي الطوفان" ووجدوا فيه الردّ الأبدي على كوارث الأمة في القرن العشرين.
لكن، دعنا نمعن النظر في نماذج من المشهد العربي الحالي مليّاً وبموضوعية تامة وبعيداً حتى عن الإيديولوجية.
فأولاً، لقد عاد الاستعمار إلى أرض العرب كلّها في أشكال من الاحتلال والتدخّل في الشؤون الداخلية من قبل السفارات الأجنبية وفرض المعاهدات الأمنية والاقتصادية... إلخ، من مظاهر الاستعمار المعروفة. لقد حاولت بعض الدول العربية تحدّي هذه العودة ففشلت، وحاولت دول عربية غيرها فزُجرت، وحاولت ثالثة فاحتلّت أرضها، وحاول السودان فقسّم إلى نتف، وها إن سوريا تواجه موقفا صعباً. إذن فشلت الدولة القطرية في منع عودة الاستعمار.
وثانياً، قرّر الشعب الفلسطيني استبدال قيادة غير ناجحة ومتهمة بالفساد بقيادة جديدة. لكن ما أن بدأت القيادة الجديدة عملها حتى حاصرتها الابتزازات وعلى الأخص المالية. أكبر تلك الابتزازات إيقاف دفع مئة وأربعين مليون يورو كانت أوروبا تدفعها سنوياً للسلطة الفلسطينية السابقة. وهو مبلغ يمكن تغطيته بثمن عشرة آلاف برميل من البترول يومياً في وطن ينتج حوالى عشرين مليون برميل يومياً. ومرة أخرى فشلت الدولة القطرية في حماية شعب عربي شقيق من الإبادة في فلسطين ومن اللوم الأميركي- الأوروبي الذي يمارس ابتزازاً ضدّ شعب منهك مقهور ومظلوم.
وثالثاً، لقد زاد عدد سكان دول مجلس التعاون الخليجي إباّن الثلاث سنوات الماضية بمقدار أربعة ملايين، جلّهم من غير العرب. وتخطّط مدن خليجيّة لزيادات هائلة في عدد سكانها في المستقبل القريب. وستكون أغلب تلك الأعداد السكانية من غير العرب. وسيعني ذلك الإمعان في خلخلة التركيبة السكانية لهذا الجزء من الوطن العربي. ومرَّة أخرى فشلت الدولة القطرية في حماية أمنها وهويتها في المستقبل من خلال الاعتماد على العنصر الأجنبي ورفض التوجه نحو العمالة العربية بل وفي نفس المنطقة تتجمّع منذ عام 2003 فوائض نفطية هائلة تحتاج إلى مجالات استثمارية إنتاجية للاستفادة القصوى منها في حين تجوب أنحاء المعمورة وفود دول عربية غير نفطية أخرى تستجدي اجتذاب مبالغ زهيدة لمشروعات بلدانها الاقتصادية! تلك أمثلة لنماذج الورطات التي تجابهها الدولة العربية القطرية أياً كان حجمها وأياً كان غناها وأياً كانت ادّعاءاتها بالأهمية والمكانة الدولية. ترى لو كان التعامل مع الحياة العربية تعاملاً قومياً أكان الاستعمار يعود ويستقر، أكان الشعب العربي الفلسطيني مخيّراً بين الذل والهوان، وبين الجوع والعطش؟
ترى من منّا الذي انقلب حلمه إلى كابوس حقيقي يومي، الذين راهنوا على الدولة القطرية التي تقف اليوم عاجزة متراجعة قي كل ميدان تطرقه، أم الذين عرفوا منذ زمن طويل جداً أن خلاص الأمة هو في قيام نوع من وحدتها وفي أسوأ الأحوال نوع من تضامن أجزائها؟
د. علي محمد فخرو