عندما قلنا -ضمن محاولات فهم ظاهرة تصاعد الاحتجاجات العمالية- إن تركيز وسائل الإعلام العالمية على رصد أوضاع العمالة الوافدة ونقل صور إخبارية عن الحياة المعيشية لهذه الشرائح، قد أسهم في تحفيز العمالة الأجنبية على نقل احتجاجاتها إلى مرحلة أكثر تقدما، رأى البعض أن في ذلك اتهاما للإعلام بتأجيج الاحتجاجات، وأن في ذلك دعوة لممارسة التعتيم، مع أن ذلك لم يكن سوى محاولة تفسيرية لتوضيح أثر دخول أضواء الإعلام كمتغير في تغذية الظاهرة من دون التطرق من قريب أو بعيد إلى التعتيم أو غير ذلك، ناهيك بالطبع عن أن الزاوية هذه من أشد مناصري حرية الرأي والشفافية الإعلامية.
وبالأمس، تأكد للكثيرين أن هناك بالفعل من يحرك العمالة الأجنبية من وراء الستار، وأن هناك أصواتا تحريضية تلعب على هذا الوتر لسبب أو لآخر، وتستغل في ذلك عوامل الضغط المتاحة كافة، حيث نشرت صحيفة "الأوبزيرفر" تقريرا ذكرت فيه أن شرائح من العمالة الأجنبية في الدولة تعتزم عرض "قضاياها" على السياح الأجانب في نطاق تصعيد حملة احتجاجاتهم على ضآلة أجورهم وسوء ظروف عملهم وسكنهم. وأشارت الصحيفة إلى أن "ممثلين للعمال يعقدون اجتماعات تنظيمية في أماكن إقامتهم بهدف التنسيق لعرض قضاياهم على ملايين السياح الذين يزورون الدولة كل عام"، وذكر أن الاحتجاجات ستنتقل في الفترة المقبلة إلى المراكز التجارية، رغم أن العمال أعربوا للصحيفة عن مخاوف مزعومة من تعرضهم بسبب ذلك إلى السجن أو الترحيل، لكنهم مصرون على موقفهم. ونقل التقرير عن أحدهم قوله حرفيا قوله: لو ضبطونا نتحدث إليك نكون انتهينا، هل تفهم ذلك؟ سوف يلقون بي في السجن ويأمرون بترحيل كل من في هذا المكان، وليس فقط من يوجدون هنا في هذا البيت.
ونقلت الصحيفة تصريحات لمسؤولة إقليمية بمنظمة "هيومان رايتس ووتش" كررت فيها مزاعم المنظمة من أن "العمال الفقراء في دبي يعاملون كما لو كانوا أقل من البشر". والأهم من ذلك أن التقرير ألمح بوضوح إلى وجود مخططين للاحتجاجات الأخيرة وأنهم تحدثوا إلى مراسل الصحيفة، ونقلت عن بعضهم قوله إن العمال الأجانب في دبي يحتاجون إلى اهتمام دولي، وإن هذا لن يحدث إلا بعرض ما يعتبرونه "قضية" على ملايين الأجانب في المراكز التجارية وعلى الشواطئ!!.
هذا التقرير ينطوي على مؤشرات خطيرة ويؤكد صحة استنتاج لجنة العمال في دبي بشأن وجود عناصر محرّضة وراء الاحتجاجات الأخيرة، ولو صح ما ذهب إليه التقرير من وجود خطط لتصعيد الاحتجاجات و"تدويلها" فإننا نكون بالفعل في مواجهة واقع عمالي يتطلب وقفة متأنية ليس فقط لنزع فتيل استعراضات العمال المتوقعة في مراكزنا التجارية بهدف التشهير والضغط على السلطات، ولكن أيضا للتعامل مع عناصر الشغب التي أفرزتها هذه التجمعات العمالية، وأيضا للتأكد من "حدود" هذه التصرفات وامتداداتها وما إذا كانت عوامل التغذية والتحريض تقف عند باب الأماكن التي يقيمون فيها أما أنها تمتلك ألسنة وخطوط دعم تمتد إلى أماكن أخرى في الداخل أو الخارج.. هذه المؤشرات تستحق وقفة جادة وتكشف عن دلالات عديدة أقلها أن أعمال الشغب الأخيرة ربما تكون قمة جبل الجليد ونتمنّى أن نكشف سريعا عن بقية ما يدور في الخفاء.
ـــــــــــ
عن نشرة "أخبار الساعة" الصادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث