(نموذج تام للهذيان المنطقي). بهذه العبارة وصف الفيلسوف والمحلل السياسي الفرنسي البارز (ريموند آرون) نظرية الردع النووي التي طرحها أصحابها في عقد الستينيات. وقد قفزت العبارة إلى ذهني بينما كنت أقرأ الحجة التي طرحتها في صحيفة (وول ستريت جورنال) مقالة بقلم (هولمان.و. جينكنز الإبن) في عدد الصحيفة الصادر يوم الخميس 18 ديسمبر، وذلك في معرض تفسيره للرأي الذي يعتبر أن من الأمور الجيدة والإيجابية -وليس السلبية السيئة- أن الشركات الأميركية الرائدة في ميدان صناعة الطائرات قد هبطت إلى مستوى خطير.
وإذا لم أكن قد أسأت فهم هذه المقالة، فإن حالة شركة (بوينغ) الأميركية اليوم تمثل الناتج الصحيح والملائم الذي تولّد عن الممارسات التجارية الصحيحة وعن وجود إدارة متنوّرة فيها. يقول المبدأ: لابأس، دعوا شركة (إيرباص) الأوروربية تنخرط في مقامرات ضخمة على التقدم التكنولوجي والأسواق المستقبلية، فإذا أخفقت فإن الحكومات الأوروربية ستخرجها من المأزق؛ لكن إذا انخرطت شركة (بوينغ) في مقامرات كهذه وتكبدت الخسائر، فإن عائدات الأسهم ستتأثر كثيراً وسيعاني أصحاب الأسهم من ذلك.
وتعترف المقالة بأن شركة (بوينغ) قد حققت لنفسها مكانتها كأكبر شركة صانعة للطائرات في العالم على الإطلاق، بالانخراط والفوز في مقامرات من ذلك النوع في الماضي.
يقول الكاتب: في عقد الستينيات الماضي، طلب أحد المديرين (في شركة بوينغ) تزويده بتقديرات الأرباح المستقبلية الخاصة بالطراز 747 فرفضوا وقالوا له: (اذهب والعب غيرها!) ويقول كاتب المقالة: ((إن ذلك الطراز من طائرات بوينغ) لا يطير اليوم، ولا ينبغي له أن يطير·
وقد حث الكاتب على كتابة هذه المقالة قرار شركة (بوينغ) صرف النظر عن مشروع صناعة طائرة Sonic Cruiser التي تكاد تكون أسرع من الصوت، والتي كان من المقرر أن تنافس بها طراز إيرباصA380 السوبر جمبو العملاقة التي تتسع لـ800 راكب، والتي توشك شركة (إيرباص) أن تبدأ في تجميعها في مصانعها في تولوز. وقد اختارت شركة (بوينغ) بدلاً من ذلك القيام باستكشاف السوق من أجل طائرة من طراز 7E7 الجديدة لكن التقليدية من حيث الأساس، وهي تمثل أول تصميم جديد تطرحه الشركة منذ نحو عشر سنوات.
إن شركة (بوينغ) الآن على حق وهي تمشي على الطريق الصحيح من الناحية الأيديولوجية، إذ أن التفويض الذي تعمل إدارتها بموجبه يقتضي منها تحقيق أرباح فصلية إيجابية وتحقيق ارتفاع في الأرباح السنوية، وذلك بغية المحافظة على ارتفاع سعر أسهم (بوينغ) في البورصات. غير أن هذا لا ينسجم مع فكرة المراهنة بالشركة كلها على مشروع حالم. وإذا تمخض عن هذه الممارسات التجارية الإيجابية الجيدة تدمير الشركة والقضاء عليها، فإن تلك طبيعة الأمور، وهكذا تسير. وعندئذ سيجد المستثمرون شركة أخرى لكي يستثمروا فيها.
هكذا ستفهمون لماذا قفزت إلى ذهني عبارة (الهذيان المنطقي) التي قالها آرون فالمبدأ يوجب إذاً تدمير الشركة للمحافظة على أسعار أسهمها.!
لقد كانت (بوينغ) شركة أميركية رائدة في ميدان صناعة الطيران. وقد أنتجت أول طائرة مقاتلة أحادية السطح لصالح الجيش الأميركي. وقد تمثل دور (بوينغ) الأساسي في الحرب العالمية الثانية بكونها صانعة القاذفة الثقيلةB17 . وقد راهنت (بوينغ) بالشركة كلها على هذه القاذفة. وقد طار النموذج الأولي لهذه القاذفة في عام 1935، أي قبل أعوام كثيرة من تمكن أي بلد آخر في العالم من امتلاك قاذفة طويلة المدى. وقد شكل بناء القاذفةB17 مخاطرة مالية هائلة على شركة (بوينغ)، إذ كان من المفترض أن يكون الدرع الدفاعي للقاذفة مصمماً بحيث يتيح لها الطيران وتنفيذ العمليات دون الحاجة إلى الحماية من طائرات المرافقة، كما كان مفترضاً أن تقوم بتنفيذ هجمات (بدقة رأس الدبوس) وذلك بالاستعانة بمنظار القذف Norden المتطور أيضاً.
لكن الحرب العالمية الثانية لم تشهد في أية حال قيام أحد بشن هجمات بدقة (رأس الدبوس)، غير أن القاذفةB17 حققت النجاح بفضل تكتيكات التشكيل التي اتبعتها وبتحقيقها سقفاً عملياتياً بلغ آنذاك 35 ألف قدم (أي أنه أكبر بمقدار 10 آلاف قدم من السقف العملياتي للقاذفات البريطانية آنذاك)· وهكذا كانتB17 إحدى أهم الطائرات على الإطلاق في الحرب العالمية الثانية.
وقد بذلت (بوينغ) جهوداً في ميدان صناعة طائرات الركاب قبل وبعد الحرب العالمية الثانية، (واشتمل ذلك على تلك الرحلة الشهيرة التي قامت فيها طائرة Stratocruiser في الخمسينيات بعبور المحيط الأطلسي، وكانت مزودة بأماكن مخصصة للنوم وبصالون خاص بالحفلات)· لكن شركة (دوغلاس) هيمنت على السوق بطائرة DC-3 والطائرات التي أعقبتها في سلسلة هذا الطراز.
ثم قامت (بوينغ) في عام 1954 بتحويل طائرة نقل عسكرية إلى طائرة تجارية خرجت في هيئة الطراز 707، فأطلقت به عصر الطيران النفاث (ومن المعلوم أن بريطانيا كانت الرائدة الحقيقية في عام 1949، بطائرة De Havilland Comet، التي قضت عليها سلسلة من حوادث التحطم الناجمة عن الإجهاد ا