جاء القبض على صدام حسين ليقدم لإدارة (جورج بوش) فرصة القيام بإعادة تقييم موقفها في عراق ما بعد الحرب، والتعامل مع معطياته بشكل نشط، وعن طريق مبادرات جديدة خلاقة. بيد أن الملفت هو، أن نافذة الفرصة التي لاحت لنا لن تبقى مفتوحة لمدة طويلة.. لماذا؟. لأن الوضع في العراق سيبقى على حاله من التوتر، كما أن كثيراً من العراقيين الذين وإن كانوا يشعرون بالامتنان لما قامت به الولايات المتحدة، بدؤوا يفقدون صبرهم تجاه الاحتلال الأميركي لأراضيهم.
وإذا ما رغب الرئيس بوش، فإنه يستطيع أن يقوم بإعادة تأسيس علاقة عمل جيدة مع كل من فرنسا، وألمانيا، ويبدأ في التعاون مع إيران، ويقوم بإشراك الأمم المتحدة بطريقة أكثر فاعلية، لكي يضمن أن عملية انتقال العراق إلى السيادة سينظر إليها من قبل الجميع على أنها قد تمت بشكل شرعي· وتلوح في الوقت الراهن دلائل مبكرة تفيد أن كلا من فرنسا وألمانيا على استعداد بالفعل لإعادة النظر في موقفيهما، سواء بصدد الحرب على العراق، أو بصدد آثارها وتداعياتها، خصوصا المتعلق منها بموضوع السعي الأميركي لإقناع بعض الدول بإعفاء العراق من الديون المستحقة عليه. وحقيقة أن بوش أحسن باختيار جيمس بيكر، كي يضطلع بعبء المهمة الدقيقة الخاصة بإقناع كل من فرنسا وألمانيا، بتخفيف عبء الدين العراقي، مما يعتبر دليلا على التوجه المتنامي في البيت الأبيض نحو البراجماتية والواقعية السياسية. وهذا التطور يشير إلى أن العناصر ذات الخلفيات العقائدية الموجودة في الإدارة، قد تم كبح جماحها، على الأقل في الوقت الحالي. وسوف يكون من المثير للاهتمام لنا، أن ننتظر كي نرى ما إذا كان سيتم تكليف (جيمس بيكر) بمزيد من المهام في مجال السياسة الخارجية، خصوصا على ضوء غياب وزير الخارجية (كولن باول) في الوقت الراهن بسبب دخوله المستشفى لإجراء جراحة في البروستاتا، و التكهنات التي تقول إن باول سيتخلي عن منصبه في الإدارة مع انتهاء فترة ولايتها الأولى. ويلاحظ هنا أن خطاب الرئيس جورج بوش الرصين، الذي أعلن فيه بصفة رسمية نبأ القبض على صدام حسين للشعب الأميركي بتاريخ الرابع عشر من ديسمبر، قد تميز بالجدية، وغياب نبرة التشفي، بشكل يتناقض تماما مع خطابه المفعم بزهو النصر، والذي أعلن فيه (انتهاء المهمة) في العراق من على ظهر حاملة الطائرات الأميركية (إبراهام لنكولن) في الأول من شهر مايو الماضي.
وإذا ما انتقلنا إلى موضوع آخر، فسوف نجد أن إيران تمثل مشكلة ذات طبيعة خاصة لإدارة (جورج بوش)· فإدارة بوش، ليست لديها حتى الآن سياسة واضحة بشأن كيفية إدارة شؤون العلاقات مع نظام رجال الدين في طهران، على رغم أن كل يوم يمضي يثبت لهذه الإدارة بشكل لا يدع مجالا للشك، مدى أهمية إيران بالنسبة للاستقرار المستقبلي سواء في العراق، أو في المنطقة بأسرها. فقدرات إيران النووية من ناحية، وعلاقتها المعقدة مع الطوائف الشيعية في العراق ولبنان من ناحية أخرى، بالإضافة إلى وجودها في غرب أفغانستان، كلها حقائق تشهد بأن إيران تمثل لاعبا مهما على المسرح السياسي في المنطقة. وتوفر هذه الحقيقة باستمرار، سببا يدعونا للأمل بأن إدارة بوش سوف تقوم في نهاية المطاف بصياغة سياسة واقعية، بشأن التعامل مع نظام (الملالي) في طهران. ومن ضمن الوسائل التي يمكن بها قياس اتجاهات الريح في هذا الخصوص، أن تقوم إدارة بوش بتمهيد الطريق لإيران للمشاركة في المحاكمة القادمة المزمع عقدها لمحاسبة صدام حسين على ما ارتكبه من جرائم حرب. فإيران، على رغم كل شيء، لديها كم هائل من المعلومات عن استخدام صدام للأسلحة الكيماوية، ومعاملته الوحشية لسكان العراق من الشيعة والأكراد الذين فر الكثيرون منهم إلى إيران. ومثل هذه المبادرة من جانب إدارة بوش سوف تختبر مدى جدية نظام طهران، الذي أعلن أحد مسؤوليه بالفعل أنه يرغب في المشاركة في محاكمة صدام. فإذا ما تبين بعد ذلك أن (الملالي)، ولأي سبب من الأسباب، ليست لديهم رغبة في التعاون مع الولايات المتحدة في هذا الموضوع، فإن بوش يمكنه حينئذ أن يقول بشكل مشروع، إنه قد منح نظام طهران الفرصة، ولكنه أبى إلا أن يرفضها.
فيما يتعلق بالإطار الأوسع لما يحدث في العراق، يجب على إدارة بوش أن تكون في غاية الحذر، وهي تقوم بالإعداد لتسليم السيادة للشعب العراقي في الأول من يوليو من العام القادم. وسبب التحذير هنا هو أن ذلك الأمر سيمثل تجربة صعبة، إذا ما أخذنا في اعتبارنا المخاطر المرتبطة بالموضوع، والشك الشديد الذي ينتاب السكان السنة حول كون الشيعة والأكراد سوف يحصلون على سلطات أكبر على حسابهم. لذلك فإن الإجراءات الخاصة باختيار حكومة عراقية مؤقتة، يجب أن تبدو في صورة شرعية سواء في أعين الشعب العراقي، أو المنطقة،أو المجتمع الدولي بأسره. وأفضل طريقة يمكن بها تحقيق ذلك الهدف، هي أن تتم العملية من خلال شكل ما من أشكال التفويض من قبل الأمم المتحدة، على ألا يكون ذلك مرتبطا بشرط قيام الأمم المتحدة بالتدخل المباشر في العملية. ليس من المتيقن ب