لأني أكتب مرة في الأسبوع، فإن التطورات التي تحدث بين مقالة وأخرى كثيرة، وكل منها يحتاج إلى مقالة بحد ذاته.
في الأسبوع الماضي، عقدت القمة العربية في الخرطوم، مستوى التمثيل في القمة كان أكثر من مؤشر على نتائجها التي لم يكن المراقبون يتوقعون أن تزيد عن بيان ختامي شبه منسوخ من بيانات القمم التي سبقتها، ولعل أهم نتائج هذه القمة هو التجديد لأمينها العام مدة خمس سنوات إضافية، وإذ نهنىء للسيد عمرو موسى هذه الثقة الغالية التي أولاها إياه من حضر من القادة العرب، فإننا نذكره بأن الوضع "خطير جداً جداً جداً"، هو خطير في العراق وفلسطين والسودان وفي كل مكان.
وبمناسبة ذكر العراق، لم يحضر الرئيس العراقي جلال طالباني هذه القمة وبلاده من أكثر النقاط العربية سخونة ودموية؟ رأى البعض أن غياب طالباني سببه أن الرجل يدرك سلفاً نتائج القمة، فهي لن تزيد عن مطالبة بالمساندة هنا، وإدانة للإرهاب هناك، وبأن التأييد والإدانة لن يغيرا من واقع الحال شيئاً. بعضهم رأى أن الرئيس طالباني يدرك أن المشكلة العراقية تكمن في بغداد هذه الأيام وليس في الخرطوم، فتشكيل الحكومة العراقية لا يزال متعثراً، والعوامل الخارجية للتأثير على تشكيلها مكانها واشنطن وطهران وليس الخرطوم عاصمة السودان.
هناك من احترم غياب طالباني على اعتبار أن الرجل "قص الحق من نفسه" كما يقول أهل الخليج- أي أنه اقتص من نفسه، فهو رئيس مؤقت من حوالي أربعة أشهر ومن دون صلاحيات، ولا أحد يطيعه أو يسمع كلامه سوى أتباع حزبه، حتى رئيس وزرائه المؤقت "مطنشه"، فهو يذهب لأنقره دون علمه، ويعقد مع تركيا الاتفاقات دون موافقته، فإذا كان هذا حال الدكتور الجعفري وهو مؤقت، فماذا سيعمل لو تثبت؟
الرئيس السوداني عمر البشير أطلق "لاءات جيدة" من السودان مذكراً إيانا باللاءات الثلاث التي مضى عليها أربعة عقود.
كان الإسرائيليون وقت إطلاق لاءات الخرطوم الجديدة-القديمة يتوجهون لصناديق الانتخاب، وانتخبوا حزباً جديداً ليحكم إسرائيل أول مرة، وحزبها الذي كان حاكماً وقت شارون- "الليكود"- تراجع للمرتبة الخامسة، المقاعد العربية زادت ووصلت إلى عشرة مقاعد. مفارقة عجيبة: العرب اختاروا العودة للشعارات، والإسرائيليون اختاروا "كاديما"- أي قدماً. وبالمناسبة، فإن بعض القادة العرب الذين شاركوا في القمة لم يكن بينهم من أتى بطريق الانتخاب! الرئيس المنتخب الوحيد- طالباني- لم يحضر.
اختتم الأسبوع الماضي أحداثه بكسوف الشمس، وبرحيل عملاق فني كبير هو الصديق- خالد النفيسي، تزامنت آخر زيارة للمرحوم لديوانيتنا في الكويت مع وجود السيد عمار الحكيم وبعض صحبه، كان الحديث يدور حول تدهور الأوضاع في العراق، وما قد تؤول إليه أوضاع الاحتقان الطائفي، تساءل النفيسي بتلقائية وحرقة: "بالله إحنا من متى نعرف شغلة شيعي وسني بالعراق؟". كان لغياب النفيسي أثر كبير على الكويت وأهلها ولعشاق فنه في كل مكان، يذكر له الكويتيون صراحته وشجاعته وتلقائيته في طرح قضايا المجتمع، وأسلوبه "اللهجوي" المتميز الذي لا يجيده سواه. كان الحضور الكثيف لوداع الفنان الراحل يعكس مدى حب الناس له ولفنه.
لم يكن لكسوف الشمس الذي صادف ساعات دفن النفيسي علاقة بموته، ولكن اللغة فرضت نفسها، ففعل "كسف" فعل ارتبط بالفصحى بهذه الظاهرة الفلكية لاحتجاب الشمس وراء القمر، ولكنه يعني الحياء والخجل في اللهجة المصرية فيقال: اتكسف، أي استح، تذكرت بيان القمة الختامي، وأنا أراجع المعنى المصري لكلمة الكسوف.