فشلت أوساط في أميركا والغرب عموما في منع مشاركة "حماس" في الانتخابات التشريعية الفلسطينية الأخيرة. وعندما حققت "حماس" الفوز الكبير، فشلت الجهود الغربية بعزلها رغم الضغوط الهائلة التي مارستها الولايات المتحدة، ونجحت "حماس" في تشكيل حكومتها الجديدة. وبدأت دول المنطقة، رويدا رويدا، بتقبل "حماس" كأمر واقع جديد في المنطقة. فهذه أول مرة يتم فيها تداول السلطة بشكل سلمي وديمقراطي في المنطقة العربية، كما أنها أول مرة تصل فيها حركة إسلامية إلى السلطة بواسطة صناديق الاقتراع بعد التجربة الجزائرية التي انتهت بطريقة مأساوية. إن الدولة الوحيدة التي وصل فيها الإسلاميون إلى الحكم بواسطة صناديق الاقتراع هي تركيا والمقصود هنا هو حزب الرفاه السابق بزعامة نجم الدين أربكان. إلا أن تجربة هذا الحزب في الحكم كانت قصيرة وغير ناجحة. وحين بدأ هذا الحزب بتشريع بعض القوانين الدينية في الدولة العلمانية، تدخل الجيش الذي يرى نفسه حارسا للتعاليم العلمانية لأتاتورك (مؤسس دولة تركيا المعاصرة) وأسقط الحزب بعد فترة قليلة من استلامه للسلطة. إلا أن هذه النكسة لم تحبط سعي الإسلاميين إلى الحكم. ففي الانتخابات الأخيرة، فاز حزب إسلامي آخر معتدل (تعلم من تجربة الحزب السابق) هو حزب العدالة والتنمية بزعامة رجب طيب أردوغان الذي يجدد خطابه بحذر، ولعل أحد الأسباب هو تطلعه للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي غير المتحمس لفكرة ضم دولة إسلامية إلى صفوفه.
خسرت السياسات الأميركية الداعية للديمقراطية في المنطقة رهانها إذ لم تحترم نتائج الانتخابات الفلسطينية النزيهة والشفافة وفقا للرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر. لقد بدا واضحا أن صناديق الاقتراع تأتي بمن لا تريدهم أميركا إلى الحكم، كما حدث في فلسطين وتركيا، وكما كاد يحدث في الجزائر ومصر لولا التدخل الفظ لأجهزة الدولتين. وكانت روسيا الدولة الأولى غير العربية وغير الإسلامية التي تكسر طوق عزلة "حماس" الدولية، فزار وفدها موسكو، مثلما قام وفد من الحركة بزيارة تركيا انسجاما مع السياسة التركية في المنطقة التي تقوم على التقارب مع دول الجوار وبلورة سياسة خاصة ومستقلة بالمنطقة, وتظهر هذه الزيارة بأن تركيا أخذت زمام مبادرة في القضية الفلسطينية، فتصريحات أردوغان في دافوس التي ربط فيها بين مطالب الرباعية الدولية والانسحاب الإسرائيلي من الأراضي المحتلة واعتراف إسرائيل بدولة فلسطينية قابلة للحياة كانت أفضل لـ"حماس" من تصريحات أوروبية كثيرة تعتبر صديقة اكتفت بالحديث عما يجب على الحركة فعله دون الإشارة إلى الدولة العبرية بكلمة. وقد طالب أردوغان في عدة مناسبات، المجتمع الدولي بأن يكون مستعدا للعمل مع "حماس" بعد أن اختارها الشعب الفلسطيني في انتخابات نزيهة. وردت إسرائيل بغضب على محادثات أنقرة و"حماس" إذ قال المتحدث رعنان جيسين: "إن إقامة علاقات مع زعيم منظمة إرهابية يمثل ضربة في الصميم لعملية السلام في الشرق الأوسط. لا يمكننا أن نفهم لماذا ارتكبت أنقرة هذا الخطأ؟!"
وفي تركيا تجربة إسلامية ناجحة قد تكون مصدر إلهام أو "خريطة طريق" لحركة "حماس" حيث استطاع حزب العدالة والتنمية الخروج من إطار الجماعة إلى الحزبية والوصول إلى السلطة. فالحزب انشق عن حزب الرفاه السابق الذي انتهى إلى فشل ذريع بسبب عدم تأقلمه مع الواقع التركي. وقام المنشقون بتكوين حزب العدالة والتنمية الذي يحكم تركيا الآن. وسبب نجاح هذا الحزب للآن –فيما يقال- إسقاطه للعامل الأيديولوجي من حساباته لمصلحة انتقاء الأصلح والأقدر والأكثر خبرة. وقدم الحزب تنازلات في إطار التفاوض والتصالح مع النظام العلماني. إن على الإسلاميين العرب دراسة التجربة السياسية لنظرائهم في تركيا وماليزيا. ففي هذين البلدين لم يتردد الإسلاميون في القبول بالنظام السياسي المدني ما دام يتيح فرصا متساوية للجميع، الإسلاميون وغيرهم. وفي التجربة التركية بالذات، كان المجال المتاح للإسلاميين ضيقا، لكنهم جاهدوا حتى استطاعوا توسيعه فتحقق لهم ما هو متاح لغيرهم من فرص متساوية. وهناك تجربة إسلامية ناجحة أخرى هي تجربة الحكم في ماليزيا. ففي كلتا التجربتين الماليزية والتركية كان هناك من يدعي أن حزبا إسلاميا لا يستطيع قيادة دولة ذات دستور مدني، لأن ذلك يعني التعهد بحماية هذا الدستور والدفاع عنه كما يقتضي أيضا القبول بالكثير من السياسات وقواعد العمل المخالفة للشريعة. والإسلاميون لا يستطيعون تنصيب أنفسهم بديلا عن الشعب كله. وحتى لو استطاعوا، فإن ذلك ليس من حقهم. فالدولة في كل من تركيا وماليزيا كما في فلسطين طبعا هي دولة الشعب أولا وأخيرا وليست دولة الجماعة الإسلامية. ففي ماليزيا مثلا، يمثل المسلمون أقل من ثلثي السكان وكان التفكير في إقامة نظام إسلامي مدعاة لاستثارة المخاوف العرقية والدينية وربما تفكيك البلاد. لهذا، ركزت المجموعات الإسلامية على البرامج التي يسعى إليها جميع الناس، فأوضحت منذ البداية أنها مع الحريات العامة، والتزمت بحماية التعددي