هل أصبح لزاماً على أميركا والاتحاد الأوروبي وإسرائيل, معاقبة الفلسطينيين على انتخابهم الحر لحركة "حماس" وتسليمها دفة سفينتهم؟ أو لنضع السؤال بصيغة أخرى: هل أصبح لزاماً على الفلسطينيين, الإذعان لتبعات ممارستهم لحقهم الديمقراطي في اختيار حكامهم وقادتهم؟ والإجابة الجاهزة التي يقدمها الفلسطينيون على هذا السؤال, هي أنه وبصرف النظر عن النتائج التي تمخضت عنها الانتخابات, فإن إسرائيل لا تعدم الوسيلة التي تعاقب بها الفلسطينيين على أية حال. وربما تكون هذه الإجابة صحيحة في تقييم السلوك الإسرائيلي, ولكن ماذا عن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي؟ فهل تشكل لهما معاقبة الفلسطينيين هدفاً لا تعوزهما الوسيلة لتحقيقه أيضاً؟ ألم تصف كل من واشنطن وأوروبا حركة "حماس" بأنها "منظمة إرهابية", وأنه لا سبيل إلى التعاون معها, سواء على الصعيد السياسي أو المالي؟ بل وقبل ذلك وفوقه, ألم تردد فرنسا والأمم المتحدة القول ذاته, على الرغم من كونهما من أوثق أصدقاء العرب وأكثرهم تعاطفاً مع القضايا العربية؟
إن هذه العقوبة المفروضة على حركة "حماس" –وبالتالي على الفلسطينيين ككل- لهي على درجة كبيرة من الخطورة, خاصة حين ندرك أن نحو 1.3 مليون فلسطيني يعتمدون كلياً على الإعانات المالية والعائدات الضريبية التي تدرها لهم إسرائيل. أما الضفة الغربية فتعتمد بدرجة كبيرة على المساعدات المالية التي يقدمها الاتحاد الأوروبي.
ولكن المؤسف أن هذه المساعدات قد جمدت الآن. وبما أن تلك هي ردود الفعل الأميركية والأوروبية الرسمية على انتخاب الفلسطينيين لـ"حماس", فإن الشيء الوحيد الذي يستطيع المرء افتراضه, هو أن كلاً من "حماس" والفلسطينيين على قدر كبير من الوعي بهذه العواقب, وأنهما على أتم الاستعداد لتحملها. أما المحور الذي يدور حوله النزاع بين هذا الخيار الفلسطيني من جهة, وأميركا وإسرائيل والاتحاد الأوروبي من جهة أخرى, فهو أن ميثاق الحركة السياسي, لا يترك أدنى مجال للشك في رفضها التام لحق "إسرائيل في الوجود".
وحتى عقب فوز "حماس" وتسلمها مقاليد السلطة الفلسطينية, واصل قادتها المتشددون والمتمسكون بأيديولوجية الجهاد, الإعلان عن عدم رغبتهم في تغيير ميثاق حركتهم, مما يعني مواصلة نهج الكفاح المسلح. والشيء الوحيد الذي أعلنت عنه "حماس", هو الهدنة مع الجانب الإسرائيلي, الأمر الذي يشير إلى كونها هدنة مؤقتة, مثلما هو الحال عادة مع كل وقف مؤقت لإطلاق النار والهجمات بين طرفي الهدنة. وعلى رغم ذلك, فربما كان هذا الإعلان إيجابياً بحد ذاته, إن كانت "حماس" قادرة بالفعل على كبح جماح مقاتليها في مواجهة العدو الإسرائيلي, ولو كان الفلسطينيون قادرين على اتباع السلوك ذاته. غير أنه ما من أحد, يستطيع الجزم بمقدرة "حماس" على تنفيذ التزامات كهذه.
يجدر بالذكر أن الفلسطينيين كانوا على علم بكل هذه الحقائق لحظة توجههم إلى صناديق الاقتراع, في واحد من أكثر انتخاباتهم نزاهة وديمقراطية. ومع ذلك فقد آثروا القول لكل من أميركا وأوروبا وإسرائيل, أن اذهبوا إلى الجحيم إن أردتم!
إني لأحترم هذا الخيار. لكن ما أن وقعت "الفأس في الرأس", وبدأت إعلانات مقاطعة حركة "حماس", بل وضربت العقوبات ضربتها في أوساط المجتمع الفلسطيني, حتى تردد العويل والصراخ في أرجاء فلسطين والعالم العربي الإسلامي كله, وسرعان ما علت اتهامات كل من إسرائيل والغرب بردود الأفعال الجائرة على ممارسة الفلسطينيين لحقهم الديمقراطي. غير أن ما يجب توضيحه هنا, هو أن الغرب لم يحتج على الممارسة الانتخابية الديمقراطية بحد ذاتها, وإنما أعلن عن موقفه من الخيار الذي أرتآه الفلسطينيون لأنفسهم.
وكما سبق القول, فإنه وعلى افتراض وعي الفلسطينيين التام بالعواقب والنتائج التي سيتمخض عنها هذا الاختيار قبل الإدلاء بأصواتهم, فمعنى ذلك أنهم كانوا يتوقعونها سلفاً ويتحملون وزر اقتراعهم. ومما لاشك فيه أن ردود الفعل الاقتصادية, كانت في مقدمة ما توقعه الناخبون الفلسطينيون. وإن كان الناخبون قد استبعدوا حدوث ردة الفعل هذه, فلاشك أنهم كانوا يعتقدون أن تهديدات إسرائيل وأميركا وأوروبا بمقاطعة "حماس" قبيل الاقتراع, لم تكن أكثر من مجرد كونها مزحة ليس إلا! وبصرف النظر عن عدالة أو عدم عدالة ردود الفعل هذه, فقد كان موقف الجهات الثلاث واضحاً ومعلناً, قبل الإعلان عن المعركة الانتخابية وإجراء التصويت. كما لم يعد هناك اعتبار أو أهمية تذكر لقناعة الفلسطينيين والعرب بمشروعية حركة "حماس", باعتبارها منظمة للدفاع عن النفس. فما من أحد يستطيع الطعن في حقهم في اعتقاد كهذا. وطالما أن المرء قد أبدى استعداده لتحمل العواقب, فلا مبرر للصراخ ما أن تبدو تلك النتائج واضحة أمام عينيه.
ونخلص من كل هذا إذن, إلى أن ما يحفظ ماء وجه الفلسطينيين هو أن يتمسكوا باختيارهم لـ"حماس" قيادة لهم, في حين ينبغي على الحركة أن تثبت لهم أنها أهل لذلك الخيار والتضحية الكبيرة التي قدموها من أجلها. والمعني بهذا أن تبرهن "حماس" على ق