عادت قضية تجارة الأعضاء البشرية للظهور على السطح مرة أخرى، بعد قرار الحكومة الصينية منع بيع وشراء الأعضاء البشرية، في محاولة منها لتحسين سمعة "صناعة نقل الأعضاء" على أراضيها. هذه الإجراءات الجديدة، والمتوقع أن يبدأ العمل بها في شهر يوليو القادم، ستتطلب من المتبرعين التوقيع على موافقة خطية، وبشرط أن تتم عمليات النقل في مراكز طبية متخصصة في مثل هذا النوع من الجراحات. وتأتي هذه الخطوة بعد تواتر التقارير عن عدة وفيات بين أجانب، أتوا إلى الصين لتلقي عضو بشري متبرع به، أو مشترى مقابل مبلغ مالي. ويعتبر أثرياء اليابان أحد أهم زبائن –أو ربما ضحايا- هذه الصناعة الصينية الناشئة، وهو ما دفع الحكومة اليابانية إلى فتح تحقيق رسمي، بسبب تزايد عدد من توفي من بين رعاياها بعد سفرهم للصين، وتلقيهم لعضو بشري من شخص آخر. ويعزو البعض نسبة الوفيات المرتفعة تلك، إلى أن صناعة نقل الأعضاء الصينية، مثلها مثل العديد من الصناعات الصينية الأخرى، تعتمد منهج خفض التكاليف بقدر المستطاع، للوصول إلى أكبر قدر من الربحية على أساس المنافسة السعرية، وليس على أساس الجودة النوعية الآخذة في الاعتبار بالمعايير الطبية والعلمية، وهو ما يعتبر الحلقة الأخيرة في الاتهامات الموجهة للمجتمع الطبي في الصين، بعد أن تركزت الاتهامات السابقة على الممارسات اللاإنسانية، المتمثلة في حصد الأعضاء الداخلية للمحكوم عليهم بالإعدام داخل السجون الصينية، وبعد تنفيذ الحكم مباشرة. ورغم أن الحكومة الصينية اعترفت يوم الثلاثاء الماضي، على لسان المتحدث باسم وزارة الخارجية، بحقيقة الادعاءات بالحصول على الأعضاء البشرية من المساجين المحكوم عليهم بالإعدام، إلا أنها أصرت على أنها حالات نادرة جدا، وتتم بموافقة السجين الكاملة، واصفة اتهامات جماعات حقوق الإنسان الدولية بأنها حملة من الفبركة الكاملة والكذب البيِّن.
وبين هذا السيل من الاتهامات والاتهامات المضادة، يرى البعض أن الإجراءات المقرر البدء بتطبيقها في منتصف الصيف القادم، وبغض النظر عن كون الاتهامات السابقة حقيقية أم لا، لن تجدي الكثير من النفع على صعيد حل مشكلة نقص الأعضاء البشرية المزمن في الصين. فحسب الإحصائيات الرسمية، يوجد مليونا صيني سنويا في حاجة لنقل عضو حيوي، ولكن لا يحصل إلا 20 ألفا منهم فقط على فرصة الحصول على هذا العضو، بينما يلقى غالبية البقية الباقية حتفهم، إما بسبب فشل الكليتين أو القلب أو الكبد. ورغم أن هذا الوضع لا يختلف كثيرا عن الوضع العالمي بالنسبة للنقص الحاد في ما هو متوفر من أعضاء بشرية صالحة للزراعة، يتفاقم الوضع في الصين بشكل أكثر تعقيدا، بسبب الاعتقادات الدينية والثقافية المعارضة لدفن الموتى بدون جميع أعضائهم الداخلية والخارجية. ويواجه العالم الإسلامي نفس المشكلة، وإن كان بشكل أقل. فعلى عكس ما يعتقد الكثيرون، يوجد بعض العلماء المسلمين، مثل فضيلة الشيخ محمد متولي الشعراوي –رحمه الله-، الذين يقولون بعدم جواز نقل الأعضاء البشرية بين الأحياء، أو نقلها من الأموات وزراعتها في الأحياء. ورغم هذا الاختلاف في جواز النقل من عدمه، إلا أن جميع العلماء المسلمين يتفقون على تحريم بيع والتجارة في الأعضاء البشرية، بغض النظر عما إذا كانوا يؤيدون أو يعارضون عمليات الزراعة من الأساس. وتتفق غالبية العقائد الدينية الأخرى مع هذا الموقف، المجيز للزراعة والمحرم للبيع والتجارة، وإن كان بعض العاملين في المجال الطبي لا يتفقون تماما مع هذا الرأي.
ففي منتصف شهر فبراير الماضي، نشر طبيبان أميركيان مقالا في إحدى الدوريات الطبية المرموقة (Kidney International)، داعيين فيه إلى إعادة التفكير في تنظيم بيع وتبادل الأعضاء البشرية، لمواجهة الطلب المتزايد يوما بعد يوم. فالمعروف أن الإحصائيات تشير إلى أن سبعة عشر أميركيا يلقون حتفهم يوميا بسبب فشل أحد أعضائهم الحيوية، بينما يموت في بريطانيا 400 شخص كل عام، أثناء تواجدهم على قوائم انتظار علميات الزراعة. هذه الأرقام يمكن ببساطة استنتاج تكرارها في جميع دول العالم، وهو ما يرى الطبيبان الأميركيان أنه السبب في تحول هذا المجال الطبي الحيوي إلى سوق سوداء رائجة. حيث كتبا يقولان: "على الرغم من أن بيع الأعضاء غير قانوني في معظم دول العالم، وعلى الرغم من اعتباره إجراء غير أخلاقي من قبل المنظمات الطبية المهنية، إلا أن عمليات البيع الاختياري للكليتين تتخطى الآلاف سنويا ضمن السوق السوداء لزراعة الأعضاء". ويضع الطبيبان سعرا للكلية الواحدة، يبلغ حوالى 40 ألف دولار في تقديرهما، مع التوصية بإنشاء وكالة دولية تتولى مهام تنظيم تبادل الأعضاء المشتراة بين دول العالم المختلفة. ويبني الطبيبان منطقهما هذا، على أساس أن التحريم الحالي لبيع الأعضاء لم ينجح في وقف العمليات، بل ساعد على استغلال البائعين من قبل الوسطاء، وعرض المرضى لإجراءات جراحية في ظروف غير مثالية، تشكل تهديدا لحياة الكثيرين منهم، بل راح بعضهم ضحيتها بالفعل. وغني عن الذكر