الأرجح أن تشهد قمة الخرطوم تراضياً عاماً حول القضايا الكبرى والملتهبة في الساحة العربية والإقليمية. فالضغوط الأميركية لن تكون مؤثرة كثيراً نظراً لأن إدارة بوش أظهرت سوء نيتها تجاه عدد من النظم والحكومات العربية, الأمر الذي وحَّدها, وأرسى مصلحة مشتركة في التضامن والتنسيق فيما بينها حول مواجهة هذه الضغوط. والمتوقع أن تقوم القمة بدعم حكومة "حماس", وإسناد السودان في موقفه الرافض لنشر قوات حلف شمال الأطلسي أو قوات دولية محل القوات الأفريقية في دارفور, ودعوة الشعب والمسؤولين العراقيين لدحر المؤامرات التي تشعل الفتن المذهبية والطائفية, وتأييد الحوار الوطني العراقي واللبناني وفيما بين سوريا ولبنان, والتأكيد على الحاجة لإخلاء منطقة الشرق الأوسط من أسلحة الدمار الشامل.
رسالة القمة تلتقي بوجه عام على فكرة السلام: الدفاع عن السلام الأهلي ضد دعوات الحرب الأهلية في عدد من الدول العربية, وحل الصراعات والنزاعات العربية، سواء كانت داخلية أم خارجية، بالحوار والمفاوضات، وتعزيز السلام، وما تم التوصل إليه من اتفاقيات من خلال التنمية الاقتصادية والاجتماعية والمعونات العربية في الحالات التي تتطلب ذلك بصورة حادة مثل السودان جنوباً وشمالاً.
من السهل التوافق على هذه المعاني, ولكن المطلوب حقاً والصعب أيضاً، هو استعادة السلام العربي وتحرير الجغرافيا العربية من شتى صور العنف، وأشدها قسوة وتدميراً أي الحروب الأهلية والطائفية والعرقية أو ما يسمى بحروب الهوية. والتحدي الحقيقي أمام القادة العرب ليس التوصل إلى قرارات تعكس التضامن أو التوافق حول هذه المعاني, وإنما صنعها فعلاً في الواقع. وهذا هو ما فشل فيه النظام العربي في الغالبية الساحقة من الأحوال, مما شكل أحد أهم أسباب التراجع السياسي والاستراتيجي والمعنوي العربي خلال فترة ربع القرن الماضية. فالصراعات والحروب الأهلية استنزفت الموارد, وأرهقت الحكومات ومزقت النسيج الجامع للمجتمعات, واستهلكت قدرات وانتباه الرأي العام والدول فأبعدتها عن الاهتمام الحقيقي بالقضايا العربية العامة, وفوق ذلك فهي شوَّهت صورة العرب بأكثر مما هي مشوَّهة بالفعل في العالم الخارجي الذي لم يعد يرى فيهم سوى العنف والقسوة والتعصب ضد بعضهم بعضاً ومن ثم ضد الآخرين. وأمام ذلك كله, وقف النظام العربي عاجزاً أشد العجز وفاشلاً أشد الفشل, حتى كوَّن الفشل أسطورته أو نبوءته التي تحقق نفسها بنفسها, وبالتالي جعلت العالم يشعر بعدم جدية النظام العربي وإمكانية تجاهل قراراته وتضامنه المفتعل والشكلي, والانتقال المباشر للضغط على الحكومات المعنية والانفراد بها لفرض المدخل الدولي وتحقيق مصالح انتهازية للدول الكبرى, فإذا عجزتَ عن حل مشكلات وصراعات دامية بنفسك فلا تتوقع أن يتركك الكبار في حالك, وإنما سيجدون طريقهم الحتمي للتدخل ولتدويل قضاياك الداخلية سواء حصلتَ على تضامن من القمة أم لم تحصل!
فليس هناك قيمة حقيقية في التضامن مع السودان حول رفض تدويل أزمة دارفور طالما عجز السودانيون والعرب عن وقف المذابح وجرائم الإبادة الجماعية في هذه المنطقة المنكوبة. فالتحرك المقتدر لاستعادة السلام والعدالة في دارفور هو الموقف الوحيد الذي يبرر رفض التدويل. وغير ذلك سيكون التبرير العربي مضحكاً, وكأن عمليات الإبادة تتم بالصدفة أو بصورة غيبية وميتافيزيقية ودون أن يقوم بها أحد معروف ومشهود ويمكن منعه ووقفه بل وعقابه بسبب تجاوزاته الخطيرة للقانون الداخلي ناهيك عن القانون الدولي الإنساني. وما يصدق على دارفور صحيح أيضا بالنسبة لمختلف المواقف والمواقع الملتهبة، سواء داخل الدول العربية أو فيما بينها. فالفتنة في العراق نشطة ووراءها تقف قوى كبيرة وتمتلك الإرادة والتصميم على مواصلة التحريض والشحن والتآمر وصولا إلى حريق كبير قد لا يمكن إخماده في أسابيع أو شهور, وقد يصل إلى تدمير شامل للعراق, بل وقد ينتقل من العراق إلى عدد من الدول العربية. وهناك بلاد عربية أخرى مرشحة لحالة فوضى ممتدة أو لسلاسل من الانفجارات الداخلية، القبلية والطائفية والقومية والمذهبية. وبوجه عام يؤدي هذا التهديد إما إلى فوضى وعنف مستدام أو خضوع المنطقة العربية في نهاية المطاف للسيطرة الأجنبية, أو للاحتمالين معا. وبتعبير آخر فإن لم يتمكن العالم العربي من استعادة سلامه الداخلي, فهو مرشح إما للصوملة أو للخضوع لسيطرة خارجية طويلة المدى, كما كان الحال في العصور الوسطى.
وبسبب الضعف المتأصل في النظام العربي، وانتهازية كثير من القوى الفاعلة فيه وإفلاسها السياسي والثقافي والأخلاقي، قد تكتفي القمة بحل القضايا الملتهبة حلاً لغوياً عن طريق الطنطنة الدعائية أو في أحسن الأحوال الشعارات المبدئية التي لا تستند إلى قوة حقيقية في الواقع. وفضلا عن التعبيرات الوردية, لدى الأمانة العامة، هناك خطة عمل تتمثل في دفع مشروع محكمة العدل العربية والحصول على قرار من القمة بإعلان تأسيسها. ولكن في غياب منهجية قوية لبناء السلام العربي لن يكون