نحن الأميركيين نعاني من سوء الإعداد اللازم لفهم ظاهرة الطاغية الوحشي، ونميل إلى الاعتقاد بأن صدّام حسين يأتي في خانة أدولف هتلر أو جوزيف ستالين، وبأنه ليس أكثر من (سيكوباتي) مضطرب العقل وقاتل فاسد.
ولهذا السبب اعتقد زعماؤنا أن الإطاحة بالطاغية ستجعل شعبه المحرّر يبتهج غاية الابتهاج ويمطر علينا التشكرات.
من المؤكد أن معظم العراقيين يشعرون بالارتياح حيال استحالة عودة صدّام ليعذّب ويقتل من جديد مئات الألوف من العراقيين، لكن إلى متى سيواصلون تقديم الشكر إلينا؟ تلك مسألة أخرى.
لم يكن صدّام حسين مجرّد مجرم كان مقدّراً له أن يستولي على بلد بأكمله ليستغل جيشه وشعبه وشرطته سعياً إلى إشباع جشعه. وخلافاً لزعماء المافيا الذين تقول الافتراضات إنه معجب بهم، كان صدّام صاحب أيديولوجيا أيضاً وكان، شأنه شأن كبار الطغاة في القرن العشرين، مفكراً يحمل رؤية تاريخية تردّد صداها في نفوس الكثيرين من أبناء شعبه وفي كل أرجاء المنطقة.
كان صدّام حسين مهووساً بقصص الامبراطوريات العظيمة التي سادت في بلاد الرافدين، وبشخصية صلاح الدين الأيوبي القائد المسلم الذي هزم جيوش الحملات الصليبية. وقد كان حلمه هو حلم (حزب البعث العربي الاشتراكي) الذي انضم إلى صفوفه في شبابه، وهو حلم يطمح إلى إقامة دولة عربية اشتراكية قادرة على أن تأخذ من الغرب المصاب بالغرور براعته التكنولوجية، وأن تتغلب عليه وتعيد للعرب المكانة التي يستحقونها.
وقد راوده في مقتبل أيام عمره شعور شخصي بالإهانة والإذلال- إذ كان أبوه القروي يوسعه ضرباً في معظم الأوقات، كما ثارت فيه الشهوة إلى الانتقام؛ وقد اندمج ذلك الشعور وتلك الشهوة في ماهية الرؤيا التاريخية التي شاركه فيها أيضاً المنظّرون المثاليون السياسيون من كل أرجاء العالم العربي.
وفي هذا السياق، يكون صدّام شديد الشبه بـ(أدولف هتلر) و(جوزيف ستالين) اللذين تسنى لكل منهما، بحكم ما له من عقلية، أن يكون تجسيداً وتشخيصاً للغايات الطوباوية الضخمة فمات وهو واثق كل الثقة في أن كل المعاناة التي فرضها على الآخرين مبرّرة مسوّغة باعتقاده أن القمع والقتل الجماعي يشكلان السبيل الوحيد لتحويل الشعب الضعيف إلى شعب قوي ومنتصر حقاً. وصدّام، شأن غيره من الوحوش البشرية، كان مقتنعاً بأن أولئك الذين ناهضوه وعارضوه لم يكونوا أعداءً شخصيين فحسب، بل خونة لقضية عظيمة.
وفي الولايات المتحدة أيضاً، لدينا الكثير من المفكرين الذين يؤمنون أيضاً بالأهداف التاريخية المتغطرسة. غير أن تاريخنا اتصف بالنجاح إلى درجة أننا قلّما نجد أن الانتقام يشكل جزءاً منه. إن مؤسساتنا الديمقراطية قوية جداً بحيث لا يمكن السماح لأي زعيم أن يفلت من العقاب لقاء اقترافه أية تجاوزات شبيهة بتجاوزات صدام حسين. ويتفادى الأميركيون الانتقاء من جملة أولئك الذين يزدهرون على الكراهية أو الذين يحشدون التأييد لأنفسهم بتذكيرنا بأزمنة تعرضنا فيها للمهانة والإذلال. ونحن يمكننا أن نفهم التضحية في سبيل الأمن والتحرر الشخصي، لكن ذلك ليس نابعاً من مجرد الرغبة في الثأر وإلحاق الخزي بالآخرين. ولا يمكن فهم شيء من هذا الكلام إلاّ في الجنوب الأميركي بما فيه من تراث قمعي وتمسك بالمقامات والألقاب الرفيعة وبما لحق به من هزيمة مريرة، غير أن حقبة العبودية والحرب الأهلية الأميركية قد انتهت منذ 138 عاماً.
لقد منيت رؤية صدّام حسين بالإخفاق بحلول عقد الثمانينيات، شأنها في ذلك شأن رؤية زملائه البعثيين في سوريا ورؤية جمال عبد الناصر في مصر، ولم تحقق الاشتراكية أي نجاح على الإطلاق. وقد حقق الغرب المسيحي، ولا سيما الولايات المتحدة ووكيلتها وموكلتها إسرائيل اليهودية، تقدماً كبيراً في ميادين العلوم والتكنولوجيا، وأصبح قوة ازدادت صعوبة إلحاق الهزيمة بها. وبعد حربين غير ناجحتين ضد إيران والكويت والحظر
الاقتصادي المهين، برز الجانب الأكثر فساداً والأقل مثالية في شخصية صدّام حسين. ولذلك أطلق العنان لولديه المنحطين الذين شاركاه شهوته إلى السلطة دون رؤيته المثالية التاريخية، فانطلقا في جنون كاسح لكل ما يقف في طريقهما. غير أن صدّام حسين بقي لديه، تحت سطح الأكاذيب والجيش المصاب بالضعف، أمل في أنه سيتمكن ذات يوم من استعادة اليد العليا. ولذلك أراد أن يدفع ويعزز مشروع إقامة إمبراطوية عربية كبرى.
وقبل الغزو الأميركي للعراق بفترة طويلة، تلاشى احتمال تحقق أحلام كهذه، إذ أصبحت بطانته أكثر من عائلة موسعة من المقربين الذين يجنون الأرباح من أوهام الرجل العجوز، فكذبوا عليه في ما يتعلق بالموقف الحقيقي، وقلّما يجرؤ أزلام الطغاة على المخاطرة بإخبار أسيادهم بالحقيقة المرة الخطيرة وبما لا يسر الخاطر.
من سوء الحظ أن هزيمة صدّام حسين لم تحقق شيئاً من إزالة العار والإخفاق المخزي الذي ينتشر أوسع انتشار في البلدان العربية وفي دول أخرى من العالم الإسلامي. إن الكثيرين من أشد العرب والمسلمين تمسكاً بالمثالية ينظرون إلى الدين باعتباره الملاذ الأفضل والأخير. و