كنت منحازا دوما لمن يرى أن الجريمة ليست شجاعة، وأن كبر الجرائم ليس مؤشرا على تعاظم الإقدام، وبأن المجرم جبان بالطبيعة· فالعنف لا يعني الشجاعة بأي مقياس من المقاييس، وفي عالم اليوم تقاس الشجاعة بالحكمة والصبر وبعد النظر والواقعية.
أسوق هذه المقدمة في أعقاب اعتقال صدام حسين في جحر اختبأ فيه كالجرذ - على حد تعبير القائد الأميركي الذي أعلن اعتقاله، فلم يقاوم ولم يقاتل، وهو الذي ردد كثيرا أنه يفضل الموت على الاستسلام، وأنه ينشد (الشهادة) بديلا للوقوع في الأسر، ولكن اعتقاله الأسبوع الماضي أثبت للواهمين أنه عكس ذلك تماما.
للشجاعة مؤشراتها، ولها دلائلها وخصالها، واستعراض بعض سلوكيات صدام وجرائمه لا يعكس أبدا أنه كان شجاعا بالمرة، فالغدر والمكر والخديعة والدناءة في القتل لا توحي بأن من يرتكبها يملك خصالا شجاعة·
فصدام غدر بكل من كان معه، فقد صفى الجبهة القومية بداية السبعينيات، وقلب ظهر المجن لرفاقه حين انقلب على البكر عام 1979· وصفى كل من وقف في دربه بطريقة دموية غادرة، بدءا باغتيال حردان التكريتي في الكويت عام 1974، وانتهاء بأحفاده وأبويهم حسين وصدام كامل الذين وعدهم بالصفح والعفو عام 1995 حين فروا إلى الأردن، ولكنه غدر بهم وقتلهم شر قتله.
حين غزا صدام حسين الكويت عام 1990، كان الغزو جبنا في حد ذاته· فقد جاء في ليل بهيم بعد أن أعطى الوعود للقادة العرب بأنه لن يلجأ إلى الحرب وسيلة لحل خلافه الذي اختلقه مع الكويت آنئذ، ولا يزال العالم يذكر منظر الطفل ستيوارت الإنجليزي الذي اختطفه صدام ومجموعة من الغربيين في الكويت بعيد احتلالها لاستخدامهم كـ(دروع بشرية)· وأذكر أن رئيسة الوزراء البريطانية حينها (مارغريت تاتشر) عيرت صدام بالجبن، رافضة أن يشبه نفسه بصلاح الدين الأيوبي الذي (لم يكن ليختبئ وراء النسوة والأطفال)·
لقد كان غزو صدام لإيران غدرا وجبنا، وكانت هزيمته الماحقة في الكويت في أقل من مئة ساعة كافية لمن يمتلك الشجاعة أن يطلق على نفسه النار أو أن يتنحى من السلطة، ولكنه بإصرار المكابر الذي تنقصه الشجاعة أعلن (انتصارا) في (أم المعارك)، وحول دباباته وجنده لقمع الانتفاضة التي ثارت عليه، مرتكبا المجازر والمذابح ضد شعبه، ولم يتردد حتى في ضرب الأماكن المقدسة التي احتمى بها المدنيون في النجف وكربلاء.
لقد كانت مذبحة حلبجة الكردية التي ضربها صدام بالأسلحة الكيماوية قمة الجبن والضعف ضد الأبرياء من النساء والأطفال والمدنيين العزل، ولم يكن من شيم الشجاعة الإقدام على ذلك العمل المقيت.
لا تزال بعض الفضائيات العربية تستضيف أيتام صدام الذين يعبرون عن دهشتهم واستغرابهم لوقوع صدام في الأسر، وبدأ بعض منظري المؤامرة يتحدثون عن سر دفين لا يعرفون كنهه، فهذا يقول إن المعتقل ليس صدام، وذاك يقول إنه ما كان لصدام أن يستسلم لو لم يتعرض للتخدير، وآخر يقول إن استسلامه خدعة ينشد صدام من ورائها فضح الولايات المتحدة الأميركية في محاكمة دولية، ولعل آخر مآسي (شر البلية) النكتة التي شاعت عبر الرسائل الرقمية للهواتف الجوالة بأن الصحاف- وزير إعلام صدام السابق- قد صرح بأن المعتقل ليس بصدام، (إنه بابا نويل)، وفي رواية أنه (بن لادن)·
من كان يظن صدام شجاعا، فقد كان واهما، ومن يزرع الوهم، يجني الخيبة... اللهم لا شماته في الخائبين!!
ولا نامت أعين الجبناء!
د· سعد بن طفلة العجمي
ليم لتصبح أكثر قابلية وقدرة على إنتاج فكر جديد وأجيال قادرة على مواكبة تطورات العصر ومنفتحة عليها!
وبين التقرير والضغوط، صورة بائسة عن العرب، ومستقبل مهدد، وهم أبناء أمة خرجت منها أبلغ الكتب والكلمات والدعوات والعلوم وخرجت العلماء على مر العصور الذين أثروا الانسانية باختراعاتهم وأفكارهم وكان بعضهم ولا يزال جزءاً من تطور العالم الصناعي. كذلك، فإن في هذه الأمة وفي هذا العصر بالذات إمكانات مالية كبيرة قادرة لو استثمر بعضها بشكل جيد على أن تعالج مشكلة الأمية· فإذا كان مبلغ 60 مليار دولار يعالج مشكلة الفتيات في العالم وعلى مدى 12 عاماً فإن مبلغاً أقل يحتاجه عالمنا العربي وهو بالتأكيد متوفر. لكن السؤال: أين استخدم؟ وفي أي اتجاه؟ هل قرأ المسؤولون تقرير اليونيسيف؟ هل ثمة إحصاءات في دولنا؟ كيف نتعاطى مع الوقائع والأرقام؟ إلى متى يبقى الإنفاق على تسلح غير مجد، وعلى قطاعات غير منتجة؟ وإلى متى يبقى الانفاق عشوائياً يختلط فيه الخاص بالعام ودون دراسة ووعي للحقائق؟ وهل أدرك المسؤولون أن استمرار الوضع على حاله لن يؤدي إلا إلى مزيد من الفقر والأمراض والجهل والعنف والفوضى والاضطرابات هنا وهناك وتسهيل مشروعات الآخرين بالسيطرة على مواردنا وبالتالي على قرارنا؟ أم أن بعضنا سيبقى يتصرف على قاعدة انه كلما ازداد الناس فقراً كلما سكتوا والتفوا حول زعيم ورئيس وحاكم وبالتالي فإن الأولوية هي للمحافظة على الحكم والسلطة ومركز القرار على هذه القاعدة.
إن العالم العربي أهدر فرصاً كثيرة وإمكانات كثيرة، ولا أريد أن