كانت مخرجات جامعة الإمارات من الطاقات الواعدة، ومن الكفاءات التي يُعوّل عليها في ابتكار فكر مختلف، ولم يكن ظهور مخرجات كليات التقنية العليا وانتشارها في سوق العمل إلا ضرورة يكمل أحدهما الآخر، والقياس ينسحب على كافة الجامعات الأخرى في الدولة.
كانت الحوارات الدائرة بين أروقة الجامعة (جامعة الإمارات) ثرية لدرجة التشبع، وكان الأستاذ الجامعي حالة وجْد خاصة، كونه على التصاق بمستجدات الفكر والسياسة.
ناهيك عن كون الجامعة الرافد الأعرق لسوق العمل ولسوق الأفكار أيضاً، وكونها ذات تقاليد جامعية يُعتد بها، ويفاخر كل من ينتسب لها أنه من مرّ من خلف بوابة جامعة الإمارات.
وكانت مسيرة الإنجازات حافلة بانتماء جميل لكل ما له صلة بها، ولعل الكثير من طلابها يجاهرون بكونهم من أبناء الجامعة الأقدم والأهم، والتي احتضنت دائماً نخبة من الأساتذة العرب والأجانب الأفضل والأكثر تميزاً وعطاءً.
ولعل قاعات دراسة العلوم السياسية والاقتصاد والإعلام، تضج دوماً بنقاش عميق حول كل ما يدور حول العالم من أزمات وآراء، فالعملية التعليمية ذات أبعاد فكرية تثري من فكر كافة الأطراف خاصة أولئك الذين اختاروها كونها الأفضل فكرياً.
لماذا أتحدث عن مخرجات الجامعة بصيغة الماضي؟
صيغة الألم شيء حميم لا يمكن وصفه إلا بتلك الصيغة الصعبة! فهل ذهب مع الريح تاريخ من أسماء وأفكار وقيم غرستها الجامعة في كل من زار سماءها وأرضها، وانتهت تقاليد بحثية ذات مساس بحقيقة البحث العلمي حين يتعلق بالظاهرة ودراستها حرصاً وأملاً في سبل علاج ووقاية؟ لم يعد طالب الجامعة بذاك العمق الظاهر، تحول إلى "نسخة" مستنسخة من بقية طلاب التعليم العالي، فجميعهم هدفهم لغة إنجليزية تقيه شر إعادة امتحان "التوفل"، وحاسب آلي محمول يحسبه وغيره بوابة الدخول إلى العصر الإليكتروني الحديث، وغاب الأستاذ -المفكر- الفيلسوف الذي يستقرئ ضرورة أن يكون الطالب قبل كل شيء متنوراً ومستقلاً فكرياً وشخصياً.
قلب التعليم هو الطالب، فإذا فقد كل هذه المهارات تحول إلى "روبوت"، فماذا يتبقى لمستقبل هذا الوطن؟
فالاعتراضات التي يسجلها العاملون في جامعة الإمارات على لائحة جديدة لا تراعي مواطني وعرب الجامعة، ليست بخطورة التفريط في الطالب- الهدف، الطالب الذي يتخرج من جامعته وهو ملم بهويته، بحدود أرضه، بتقنيات مستقبله، والأهم بفكر يغذي رحلة الحياة التي تعني حياة الوطن بكافة تفاصيلها.
هذه الجامعة التي احتضنت كفاءات ومفكرين عدة، أين ذهبوا اليوم؟ العلم لا يعني حاسباً آلياً ولغة غربية، إنه علم بمعنى الحلم والفضاء الممتد والتنوع الغزير الذي يعطي فرصة ثراء فكري من نوع خاص مهم ومُلح.
ما أهمية أن يكون خريج الصحافة متحدثاً بلغة إنجليزية ولغته الحقيقية التي سيخاطب بها قراءه تائهة ولم تغرس في حدائق دوحه؟!
المنطق لا يستدعي شرحاً، والواقع لا يعني النهاية، والهوة بالإمكان ردمها لو كان ثمة حب حقيقي لجامعة وطنية عريقة.