واجهت الدولة العثمانية مشاكل عدة على المستويين المحلي والخارجي، سواء أكان ذلك في فترات قوتها وازدهارها أم في فترات ضعفها وانحطاطها. وبعد سقوط الخلافة العثمانية عام 1924 وإعلان الجمهورية التركية، لم يخلُ تاريخ تركيا من المشاكل والأزمات الطاحنة، بما في ذلك وضعها خلال الحرب العالمية الثانية وسياسة الحياد التي انتهجتها، إضافة إلى مشكلة قبرص، فضلا عن المشكلة الأرمنية وتداعياتها... تلك هي أهم المعضلات التي تهتم الدكتورة زينب أبوسنة ببيان أثرها على كيان الدولة التركية الحديثة، وذلك في كتابها "تركيا الإسلامية، الحاضر في ظل الماضي"، والذي نعرض بإيجاز محاوره الأساسية فيما يلي.
ولكشف الدور الذي لعبته طائفة الأرمن في إضعاف الدولة العثمانية، تذكر المؤلفة أن الأرمن العثمانيين الذين تأثروا بالثورة الفرنسية ليرفعوا أصواتهم مطالبين بمزيد من الحكم الذاتي لأقاليمهم، استغلوا حدثين أساسيين للتصعيد ضد حكومة بلادهم؛ الأول هو المحلة الفرنسية على مصر والشام، والتي أعرب قائدها نابليون عن اهتمامه بالأرمن الكاثوليك وحاول تأليبهم ضد السلطة العثمانية. أما الحدث الثاني فهو الحرب الروسية التركية عام 1876، عندما انتهز زعماء الأرمن فرصة ضعف موقف السلطنة العثمانية بعد تورطها في حرب البلقان، إذ انضموا إلى الغزاة الروس الذين احتلوا مدينة "أرض روم"، وطالبوا بالحكم الذاتي، مما اضطر الباب العالي إلى الالتزام في معاهدة برلين بتحقيق الإصلاحات في الأقاليم التي يقطنها الأرمن. ورغم ذلك قام البريطانيون بتحريض الأرمن على إنشاء دولة أرمنية مستقلة شرق تركيا، فارتكب الأرمن، بالتعاون مع روسيا، فظائع بحق الأتراك المسلمين، وأنشأوا منظماتهم الإرهابية لإشاعة الرعب في الدولة العثمانية، ومن ثم وقعت الحرب الأهلية بين الأرمن والأتراك في الأناضول، بين أغسطس 1894 وديسمبر 1895.
وعن حقيقة "مذابح الأرمن على أيدي الترك"، تقول المؤلفة: "رغم أن تلك الحوادث تسبب فيها الأرمن أنفسهم، فقد تردد صداها في الغرب على أنها مذبحة للأرمن على أيدي الترك، وما هو إلا دعاية مدفوعة من جانب الأرمن". وفيما يزعم الأرمن أن عدة آلاف منهم ذبحوا، "فالحقيقة أنهم تسعمائة". لكن مؤلفة الكتاب توضح أنه بعد انسحاب روسيا من الحرب العالمية الأولى، ثار الأتراك والأكراد في القرى العثمانية لينتقموا من المذابح التي ارتكبها الأرمن في حقهم من قبل، فأسفرت الاعتداءات المتبادلة بين الجانبين عن مقتل نحو 400 ألف شخص، وقتل خلال ذلك من الأرمن من قتل وهاجر من هاجر منهم إلى روسيا وأوروبا والشام ومصر وغيرها.
وفي محور آخر يوضح الكتاب أثر "التنظيمات"، أو الإصلاحات التي أدخلها السلاطين العثمانيون، على الرعايا غير المسلمين في الدولة العثمانية والمزايا التي حصلوا عليها من وراء تطبيق المرسوم أو فرمان الإصلاح الصادر عام 1856. وترى المؤلفة أنه بفضل ذلك المرسوم بدأ مفهوم سياسي جديد يظهر في الدولة العثمانية، ألا وهو فكرة "العثمانية"، أي منح كل الرعايا العثمانيين امتيازات وواجبات بالتساوي في ظل المواطنة المشتركة بغض النظر عن الدين أو اللغة، ولكن في إطار التقاليد الإسلامية للدولة العثمانية. بيد أن عوائق وقفت في طريق الإصلاحيين إلى التحديث والمركزية؛ بما في ذلك عدم قدرة النخبة الحاكمة على إدراك أهمية الإصلاحات ذاتها، والافتقار إلى جهاز مدرب لتطبيقها، وعدم ملاءمة القيم والظروف الاجتماعية السائدة، وكونها إصلاحات تستند إلى المبادرة الفردية... وهكذا أدت إلى استثارة النزعات العرقية والفئوية.
ويحاول الكتاب كشف اللثام عن الأسباب الحقيقية التي دفعت تركيا إلى تبني سياسة الحياد في الحرب العالمية الثانية، وردود الأفعال من جانب كلا المعسكرين تجاه تلك السياسة. فقد عقدت تركيا عزمها على ألا تتحيز لأي من طرفي النزاع في الحرب، ونجحت في الحصول على الأسلحة من جانبي الصراع. ومع ميل الكفة لصالح الحلفاء، بدأ الأتراك يغيرون موقفهم من ألمانيا، فقطعوا معها العلاقات الدبلوماسية في أغسطس 1944. وحتى تتجنب تركيا الوقوع في العزلة الخارجية، أعلنت في فبراير 1945 حربا شكلية على ألمانيا واليابان!
وحول النزاع في جزيرة قبرص التي وضع العثمانيون يدهم عليها عام 1571 ودام حكمهم لها حتى عام 1878 عندما تولت إدارتها بريطانيا، ترى المؤلفة أن أسباب ذلك النزاع تعود إلى الفشل في تنفيذ معاهدة فبراير 1959، والتي وقع في إطارها اتفاق بين الدول المعنية، على أن تكون قبرص دولة ثنائية القومية؛ يونانيون وأتراك. إلا أن بداية الخلافات الحادة في الجزيرة كانت مع إعلان الإينوسيس عام 1960 حول توحيد قبرص مع اليونان. ووفقا للمؤلفة فإن الإعلان عن قيام جمهورية قبرص التركية الشمالية عام 1985، لم يكن مجرد رغبة في الاستقلال أو الانفصال، وإنما كان مصلحة للقبارصة الأتراك، وكان من الممكن أن يتم قبل ذلك الوقت، لولا تحفظ تركيا على اتخاذ مثل هذه الخطوة. ولعل قيامها شكل خطوة على طريق الحل، إذ بدأت الأمم المتحدة و