يرى "ويليام إيسترلي" أستاذ الاقتصاد في جامعة نيويورك وكبير الباحثين الاقتصاديين السابق في البنك الدولي، ومؤلف كتاب: "عبء الرجل الأبيض: لماذا أدت جهود الغرب لمساعدة الآخرين إلى إلحاق الكثير جداً من الضرر بهم والقليل جداً من الخير"، أن سبب فشل المساعدات الخارجية التي قدمها الغرب للدول الفقيرة يكمن في خطأ جسيم هو عدم الاستماع إلى تلك الشعوب تعيسة الحظ واليائسة، بل فرض مشروعات تبدو حسب الظاهر عظيمة ولكنها في الحقيقة ليست كذلك. و"إيسترلي" يضع نفسه في هذا الكتاب في موقف المعارضة للبنك الدولي الذي عمل فيه 15 عاماً كاملة، وكذلك لكافة المؤسسات الدولية الأخرى وعلى رأسها صندوق النقد الدولي، وبالتبعية لجميع الطوباويين الذين اعتبروا أنفسهم "مخططين اقتصاديين كبارا" وقاموا بفرض حلول غير مجدية للمشكلات الحياتية الرهيبة التي تعاني منها الشعوب الفقيرة وهم يعرفون جيداً أن تلك الشعوب لن تستطيع تنفيذ تلك المشروعات.
والمؤلف يرى أن مشروعات المعونة التي حققت فيها المؤسسات المالية العالمية نجاحاً هي تلك المشروعات المحدودة والواقعية وليس المشروعات الكبيرة المبالغ في قيمتها. من نماذج تلك المشروعات الناجحة مشروعات الإعانات المالية الممنوحة في بنجلادش للأسر التي تقوم بإرسال أبنائها للمدارس لتشجيع التعليم، وكذلك مشروع مد طرق زراعية في بيرو الذي يساعد المزارعين على نقل محاصيلهم للأسواق وغير ذلك من مشروعات محدودة وذات أهداف واقعية. ومن رأي المؤلف أن السبب في النجاحات التي تحققت في مجال المساعدات الأجنبية خلال الخمسين عاما الماضية يرجع في المقام الأول إلى من يطلق عليهم اسم "الباحثين الواقعيين" وهم الباحثون الذين كانوا يقومون بإجراء دراسة واقعية لأحوال الشعوب الفقيرة والمشكلات التي تعاني منها ومن ثم استنباط مشروعات مساعدة صغيرة ذات أهداف محدودة -مثل مشروعات التطعيم ضد الأمراض، أو مشروعات تطوير الصرف الصحي- لتلبية حاجات السكان المحليين الذين يهمهم في المقام الأول حل مشكلاتهم الحياتية ولا يهمهم أن تقوم المؤسسات المالية الأجنبية المانحة للمعونات بفرض مشروعات غير واقعية أو ليست ذات أثر مباشر في تخفيف معاناتهم.
ويلفت المؤلف اهتمام القراء إلى نقطة أخرى وثيقة الصلة بالنقطة السابقة وهي أن المؤسسات المالية العالمية كثيراً ما تقوم برفض المشروعات المقترحة من قبل الدول الفقيرة على أساس أنها –أي المؤسسات المالية- تعرف مصلحة تلك الدول أكثر مما تعرف الدول مصلحتها، وعلى ما يبدو فإنها لازالت تعتبر نفسها -كما يقول- وكأنها تتعطَّف على هذه الشعوب تماماً وهي نفس الرؤية التي تبناها "روديارد كبلنج" شاعر الإمبراطورية البريطانية، عندما صك عبارة "عبء الرجل الأبيض" وهي العبارة نفسها التي استخدمها المؤلف كعنوان رئيسي لكتابه الذي يكشف من خلاله عن إدراك عميق لمأساة الفقر البشري وانزعاج شديد من عدم قدرة العديد من الدول الكبرى على الانخراط في الجهود الرامية لتخفيف حدة هذا الفقر أو القضاء عليه. وأكثر ما يثير حزن الكاتب هو أنه لاحظ أن الكثير من الدول التي تلقت مساعدات مالية ضخمة من تلك المؤسسات قد غدت أكثر فقرا مما كانت عليه من قبل وهو ما يرجع بالطبع لأسباب مثل الحروب الطاحنة وطويلة الأمد التي ابتليت بها بعض الدول أو تفشي وباء الإيدز فيها، وفساد حكوماتها. ويمكننا القول إن كتاب "عبء الرجل الأبيض" كتاب شامل، إذ يبين المشكلات التي تواجهها الدول الفقيرة في العالم، والحلول الخاصة التي يقترحها المؤلف لها وكذلك يقدم عرضا لتاريخ المساعدات التي تم قدمت للدول المختلفة والتوقعات المتعلقة بمستقبلها. والمؤلف يتناول في سياق ذلك العديد من الموضوعات التي تتراوح ما بين التعقيدات البيروقراطية، إلى تناقضات السياسات الغربية المعاصرة، إلى النجاح النسبي الذي حققته الاقتصادات الآسيوية خلال العقود القليلة الماضية.
ومن الآراء المثيرة للجدل التي يوردها المؤلف قوله إن الدول التي لا توجد فيها ثروات طبيعية في العالم الثالث لديها فرص أفضل للتحول الديمقراطي والتنموي من الدول الغنية بالموارد الطبيعية، وأن كل ما تحتاجه تلك الدول لتحقيق ذلك هو الحصول على بعض المساعدات المحدودة وخصوصا في النواحي الإدارية.
وما يؤخذ على المؤلف أنه لم يتناول بعض الموضوعات التي تؤدي إلى فشل نظام المساعدات الأجنبية في تخفيف مشكلة الفقر في العالم الثالث ومنها على سبيل المثال مسألة الفروق الثقافية بين الدول المانحة والدول المتلقية للمساعدات، وولاء الكثير من الرؤساء والمسؤولين الأفارقة الكبار للعائلة أو للقبيلة قبل ولائهم للمجتمع والدولة، وهو يرى أن حدود الدول في أفريقيا ما بعد الكولونيالية مصطنعة، وأن الشعوب الأفريقية تجد نفسها مضطرة الآن لأن تعيش داخل تلك الحدود وتتنافس مع عالم "معولم" يتكون من الدول– الأمم، بينما الكثير من تلك الدول لم يتجاوز بعد من مرحلة العشائرية والقبيلة. بناء على ذلك نقول إنه ليس هناك ما يدعو للعجب من أن يحاول شباب ت