منذ مئة عام تقريبا، وقف الأخوان (رايت)، على شاطئ رملي ضيق بالقرب من (نورث كارولينا)، وهما ينظران إلى السماء ويتخيلان شيئا لم يره العالم من قبل: آلة تستطيع الطيران حقا لا خيالا. بهذه الروح ذاتها، يقف (إريك فيرون) اليوم لينظر إلى السماء، ويتخيل شيئا آخر لا يقل جرأة: طائرة تقوم بتوصيل (البيتزا) إلى منزلك·
ففي الذكرى المئوية لأول محاولة للطيران المتحكم فيه من قبل البشر، وهي محاولة استمرت لمدة 12 ثانية، وامتدت لمسافة مئة وعشرين قدما، تقوم مجموعة من (إخوة رايت) القرن الحادي والعشرين، بمجهود رائد لاختراع شكل جديد من أشكال الطيران. فبعد نهاية أول قرن من قرون السفر المجنح، هناك طائفة من الأحلام المستقبلية التي يمكن أن تتحول إلى حقائق واقعية. منها اختراع مركبة أو سيارة جوية تقوم فيها أجهزة الكمبيوتر بدور الطيارين، وتقوم أجنحتها بتغيير شكلها في منتصف رحلة الطيران. نعم إنهم يريدون اختراع سيارة طائرة، يمكن للجميع تملكها. ويمكن القول إن هذه الفكرة تتأرجح ما بين الغموض والوضوح، وما بين الخيال الجامح والواقع. ومع هذا، فإن هناك شعوراً متزايداً بين علماء الفيزياء، وعلماء المستقبليات بأن الفيصل النهائي بصدد الكيفية التي سيتطور بها الطيران خلال هذا القرن لن يكون هو الحكومات، أو العلماء.الذي سيقرر ذلك -كما يقول هؤلاء العلماء- هم الأميركيون العاديون. في هذا السياق، يقول الدكتور (فيرون) المهندس بـ(معهد ماساشوسيتس للتقنية) في (كمبريدج) بالولايات المتحدة :(نعم مثل هذا التغيير سيحدث وسيكون الدافع إليه في الأساس هو الدافع الاقتصادي).
في الحقيقة أن هذا لم يكن هو الحال دائما، فالدافع الاقتصادي لم يكن هو دائما الدافع للتطوير والابتكار. الذي يجعلني أقول ذلك هو أن التاريخ يبين لنا أن التطورات العظيمة في علم الطيران في القرن العشرين كانت نتاجا للحروب، أو بسبب التهديد الذي كانت تمثله الحروب، التي كانت تقود الحكومات في الدول المتقدمة إلى تخصيص ما يعادل مليارات الدولارات في جهود البحث والتصميم. فالحرب العالمية الأولى على سبيل المثال، هي التي جعلت العالم يتقدم من الطائرات ذات السطح الثنائي المتراكب، المصنوعة من معادن خفيفة، إلى الطائرات ذات البدن المصنوع من الصلب. أما الطائرات النفاثة فقد كانت نتاجا من نتاجات الحرب العالمية الثانية. كما أن برنامج الفضاء الأميركي برمته كان بسبب التنافس الذي احتدم بين القطبيين العظيمين في العالم على غزو الفضاء أثناء الحرب الباردة. وإذا ما كان القرن الماضي قد شهد جهودا دؤوبة من أجل تحقيق التفوق العسكري الأميركي، واكتشاف حدود وإمكانيات الطيران، فإن المئة عام القادمة سوف تركز بشكل رئيسي على جعل الطائرات سلعة متاحة للجميع، أي يمكن للجميع اقتناؤها. (أندرو هان)، واحد من هؤلاء الذين يفكرون في هذا الأمر على الدوام. فباعتباره عضوا في مشروع السيارة الطائرة الشخصية بمركز (لانجلي للبحوث) التابع لوكالة (ناسا) الفضائية بولاية فرجينيا الأميركية، فإن وظيفته من حيث الجوهر تتعلق باختراع ما يعرف بـ(سيارة جيتسون) Jetson car· و(هان) مثله في ذلك مثل غيره من الزملاء في المشروع يهدف إلى تناول الأحلام الملونة التي حلم بها علماء المستقبليات في الماضي، وإعادة تشكيلها، ثم تحويلها بعد ذلك إلى شيء يمكن أن يشق طريقه إلى الكراجات الشخصية بالفعل بحلول عام 2103· من الناحية الفنية البحتة لا يمكن إدراج هذا الاختراع ضمن السيارات على الإطلاق، وإنما يمكن القول بدلا من ذلك، إنه يمثل طائرة صغيرة في الحقيقة، ولكن يمكننا مع ذلك أن نطلق عليه اسم السيارة الطائرة باعتبار الدور الذي ستقوم به. وهذه السيارة الطائرة، يمكن أن تتسع لجلوس خمسة أشخاص في وضع مريح، ويمكنها أن تقلع وتهبط في حقل لا يزيد حجمه على حجم ملعب (البيسبول)·
والهدف من إنتاج تلك السيارة الطائرة، هو العمل على تحويل الطيران إلى جزء لا يتجزأ من الحياة اليومية للأميركيين. إن إنتاج هذا النوع من السيارات المخصص يعد مشروعا طموحا بلا شك... ولكن هناك ، مع ذلك، عدة أسئلة قد ترد على ذهن من يقرأ هذا المقال منها: هل معنى ذلك أن أي أحد يقوم باقتناء هذه الطائرة يجب أن يكون طيارا؟ يرد (هان) على هذا التساؤل بالقول: ليس بالضرورة أن يكون طيارا بالشكل المتعارف عليه حاليا... لأن كل ما سيتعين على قائد هذه السيارة الطائرة أن يقوم به، هو أن يضبط جهة الوصول أو الجهة التي يقصدها على جهاز كمبيوتر مثبت في لوحة القيادة، ثم يجلس مرتاحا بعد ذلك ليدع السيارة الطائرة تقوم بكل شيء بمفردها ودون تدخل منه. ويقول (هان) إنه على رغم أن الطائرات التي لا يقودها طيار، و التي تستخدم أحيانا في الوقت الحالي لأغراض مختلفة مثل التجسس أو جمع المعلومات والبيانات أو غير ذلك من أغراض تقلق راحة المسافرين جوا بسبب خوفهم من الاصطدام بها، إلا أن علماء المستقبليات مقتنعون بأن الجيل التالي من الطائرات العسكرية كله سوف يكون من هذه النوعية، أي بدون طيار.
هذا ال