قبل انطلاق الانتخابات البرلمانية الإيطالية بأقل من شهر، تلقى رئيس الوزراء الإيطالي سلفيو برلسكوني ضربتين موجعتين يوم الجمعة الماضي، وذلك عندما طلب ممثلو الادعاء تقديمه إلى المحاكمة بتهمة الفساد، واستقال وزير الصحة في حكومته بسبب اتهامات بقيامه بالتجسس على خصومه السياسيين.
بيد أن أياً من التهمتين لا يشكل، على ما يبدو، الرصاصة القاتلة التي ستجهز تماماً على فرص برلسكوني في الفوز بفترة رئاسية ثانية مدتها خمس سنوات، خصوصاً إذا ما عرفنا أنه خلال العقد الذي أمضاه في الحقل السياسي أو الحقل القانوني تغاضى القضاة الإيطاليون طويلاً عن اتخاذ إجراءات قانونية ضده.
مع ذلك، فإن السباق الانتخابي القادم الذي يأتي في فترة توقف فيها النمو الاقتصادي، وشهدت إحباطاً متنامياً بين الناخبين قد يكون مختلفاً هذه المرة. فاستطلاعات الرأي تبين أن برلسكوني، وهو أغنى رجل في إيطاليا، يأتي في الترتيب وراء متحديه على اللقب "رومانو برودي" السياسي المنتمي لتيار "يسار الوسط". وهناك مشكلات أخرى أيضاً تواجه برلسكوني منها الاستقالة التي تقدم بها وزير الصحة الإيطالي في تاريخ سابق، وكذلك حالة الفوضى المنتشرة في صفوف حلفائه في تيار "يمين الوسط".
ويعلق "جيمس والستون"، الأستاذ بالجامعة الأميركية في روما على ما حدث قائلا: "هما بالتأكيد خبطتان أخريان أصيبت بهما سفينة ليست في حالة جيدة جداً للإبحار أصلاً".
ولكن، شأنه في ذلك شأن غيره من المتابعين لتطورات الحقل السياسي الإيطالي، سرعان ما استدرك "والستون" ما قاله وأضاف: إن برلسكوني، وبصرف النظر عن نواحي ضعفه، إلا أنه يقاتل بشراسة من أجل إعادة انتخابه وإنه لا يزال متواجدا بقوة في السباق على الرغم مما حدث (من المقرر أن تجرى الانتخابات الإيطالية في التاسع والعاشر من شهر أبريل القادم).
وفي أعقاب تقارير صحفية مفادها أن التحقيقات التي كانوا يجرونها قد اكتملت، قال ممثلو الادعاء في ميلانو الجمعة الماضي إنهم سيطالبون بتقديم السيد برلسكوني ومحاميه البريطاني السيد "ديفيد ميلز" زوج وزيرة الثقافة البريطانية إلى المحاكمة بتهمة الفساد القضائي.
لم يعلن ممثلو الادعاء أية تفصيلات أخرى، ولكن القضية لقيت اهتماماً كبيراً من جانب الصحافة الإيطالية، التي ركزت في معظمها على ما إذا كان برلسكوني قد أصدر أوامره بدفع مبلغ 600 ألف دولار عام 1997 للسيد "ميلز" في مقابل شهادة زور أدلى بها الأخير في قضيتين أخريين مرفوعتين ضده.
وعلى الرغم من أن برلسكوني و"ميلز" أنكرا تلك التهم، فإن القضية كانت لها تداعيات امتدت لبريطانيا، وذلك عندما انفصل "ميلز" عن زوجته وزيرة الثقافة البريطانية "تيسا جويل" بعد أن قامت لجنة برلمانية بريطانية بتبرئة الوزيرة من ارتكاب أية مخالفة بعد الاتهامات التي كانت قد وجهت للزوجين بأن الأموال التي تلقاها الزوج من برلسكوني قد استخدمت في سداد قيمة رهن عقاري للمنزل الذي يعيشان فيه.
ويوم الجمعة الماضي أنكر حلفاء برلسكوني هذه التهم، وقالوا إن التوقيت الذي تم اختياره لإعلانها –أثناء الحملة الانتخابية- يثبت ما كان برلسكوني يردده منذ وقت طويل وهو أن ممثلي الادعاء من ذوي الميول "اليسارية" يحملون ثأراً شخصياً تجاهه.
وقام المتحدث باسمه "باولو بيونوتي" بتوزيع بيان وصف فيه تلك التهم بأنها عبارة عن "نظريات زائفة- بل مخجلة ومستحيلة أيضاً". وقد نقل عن ممثلي الادعاء في التقارير المنشورة بالصحافة الإيطالية قولهم رداً على ذلك إنهم كانوا بحاجة إلى السرعة لأن الفترة القانونية التي يحق فيها رفع الدعوى قد تم تقصيرها بموجب تشريع تم تمريره من قبل حكومة برلسكوني نفسه.
ويذكر أن القانون ينص على أن القضاة يجب أن يعقدوا جلسات لتحديد ما إذا كان سيتم تقديم قضية معينة للمحكمة أم لا، وهو إجراء لا يمكن أن يتم خلال الفترة المتبقية قبل الانتخابات القادمة، فمثل هذه القضايا عادة ما تمتد لسنوات، كما حدث في العديد من قضايا الفساد التي تم رفعها على برلسكوني، حيث كان يتم اعتبار معظم تلك القضايا ملغاة لأن الفترة القانونية التي يحق فيها رفع الدعوى كانت غالباً ما تنقضي قبل تقديم تلك الدعاوى ضد رئيس الوزراء الإيطالي.
ومما زاد الطين بله بالنسبة لبرلسكوني أن وزير الصحة في حكومته "فرانشيسكو ستوراسي"، قدم استقالته على خلفية فضيحة تتعلق بتهمة وجهت إليه بأنه قد قام بالتجسس على خصومه السياسيين خلال الانتخابات الإقليمية الشرسة التي جرت العام الماضي.
وفي وقت سابق من الأسبوع الماضي تم القبض على 16 شخصاً من بينهم ضباط شرطة، ومحققون خصوصيون يشتبه في علاقتهم بالقضية. ويذكر أنه كانت هناك شبهات أن "ستوراسي" أصدر أوامر بإجراء مراقبة بالصوت والصورة لخصومة أثناء الفترة التي كان يخوض فيها انتخابات الإعادة كرئيس لمنطقة "لاتزيو" التي تضم روما. وقد خسر "ستوراسي" تلك الانتخابات، ولكن برلسكوني قام مع ذلك بتعيينه وزيراً للصحة في حكومته.
وعند تقديمه لاستقالته قام "ستوراسي"، وهو عضو في حزب "الائ