لا مجال للحقائق مطلقاً في هذا الموسم السياسي, حين يأتي الأمر على صفقة موانئ دبي. وكم يصعب على المرء مجرد تخيل مدى الجهل والزيف والكره للأجانب, الذي ألمّ بكل من "الجمهوريين" و"الديمقراطيين" على حد سواء, لدى مناقشتهم لما إذا كان ممكناً لشركة عربية الأصل, الإشراف على مهام تحميل وتفريغ السفن في بعض موانئنا الأميركية. وفيما إذا كانت تعتريك أدنى شكوك حول تفسير ما حل بنا, فلك أن تعلم أن هجمات 11 سبتمبر قد حولتنا إلى أغبياء. وإن أردنا الحقيقة فإننا لسنا بحاجة إلى لجنة قومية للتحقيق فيما حدث قبل الحادي عشر من سبتمبر, بل ما أشد حاجتنا إلى لجنة للتحقيق في أحداث ما بعد 11 سبتمبر, أي إلى هيئة تنظر إلى كل صغيرة وكبيرة فعلناها بعد ذلك التاريخ –ابتداءً من سماحنا بتعذيب السجناء, مروراً بتنصتنا غير المشروع على المكالمات الهاتفية, وصولاً إلى تحويل سفاراتنا في الخارج إلى قلاع وحصون حربية- وغيرها من الممارسات التي تنخر في سمعة بلادنا كما السوس, وتهدد بتجفيف "حمضها النووي" الديمقراطي الذي عرفت به.
ومما يثير الدهشة والجنون بشأن صفقة موانئ دبي, هو أن دبي على وجه التحديد, تمثل ذلك النموذج للمدينة الحداثية المنفتحة, التي ينبغي علينا دعمها وتشجيع نموها في العالم العربي- الإسلامي. ولكن المؤسف أننا لم ندر حواراً جاداً وأميناً ومسؤولاً عن طبيعة وكنه المشكلات المحيطة بالصفقة, ولا عن الحلول الممكن تبنيها لها. وقد جهرت الدكتورة وفاء سلطان -طبيبة الأمراض النفسية- الأميركية العربية الأصل, بحقيقة المشكلة كما هي, خلال حوار مذهل أجرته معها قناة "الجزيرة". ففي حديثها عن العالم العربي الإسلامي قالت: "إن الصدام الذي نشهده الآن مع الغرب, ليس صدام أديان ولا صدام حضارات, وإنما هو صدام بين ضدين ونقيضين, أو لنقل بين عصرين وعقليتين, تنتمي إحداهما إلى القرون الوسطى, والأخرى إلى القرن الحادي والعشرين". وفي الحقيقة فقد جهرت الدكتورة بما يعلمه الكثير من المسلمين, أي علمهم بأن حضارتهم تعيش اضطراباً في الكثير من أنحاء العالم الإسلامي, وأنها تتخلف عن ركب العالم في جوانب عديدة أساسية, وتعصف بها غوغائية العنف والمهووسون من أمثال بن لادن وصدام حسين.
وفي الوقت ذاته, يواصل الرئيس بوش اجترار حديثه عن العراق, وكأن الديمقراطية هي الحل السحري والبلسم الشافي لكل الأدواء، والحقيقة أن المشكلة أعمق وأكثر تعقيداً من ذلك بكثير. ذلك أننا نتعامل مع حضارة لا تزال العشائرية تشكل قسماتها الرئيسية, إلى جانب كونها لا تزال تخوض طريقها بشق الأنفس إلى الحداثة. وقد أصاب الرئيس بوش كبد الحقيقة, باعتقاده بأهمية مساعدة العراق على التحول, كي يكون نموذجاً للعرب والمسلمين. غير أنه ارتكب خطأ فادحاً باستسهاله لذلك التحول والتبسيط من شأنه. إنني واثق كل الثقة من أننا لن نكرر مطلقاً تجربة الغزو هذه, في أي رقعة أخرى من رقع الأرض في المستقبل القريب. غير أن حاجة المنطقة العربية الإسلامية للإصلاح, لا تزال كبيرة وبانتظار الفعل والعمل. فهل ثمة نهج آخر لهذا الإصلاح... عدا عن نهج البندقية والغزو؟ بلى... بلى. وفي ظني أنه يتلخص في دعمنا للنماذج النابتة في التربة العربية ذاتها, باعتبارها نبتة لنمو شجرة الإصلاح المحلي. وليس من نموذج أصلح لهذا من دبي, التي لا أتردد برهة في تسميتها مجازاً بـ"سنغافورة العرب". كما أنها تمثل جسر الانتقال من تلك الحضارة الآفلة, التي وصفتها الدكتورة وفاء سلطان, إلى مجتمع أكثر تفاؤلاً وانفتاحاً وثقة بالذات. ولمن يريد أن يرى بعين مفتوحة ومجردة, فإن قيادة دبي إنما تبني مستقبل مدينتها على الزبد لا على الرصاص والبنادق, وعلى الملكية الخاصة, لا أهواء التملك والاحتكار, وعلى الشركات ذات القدرة التنافسية العالمية, لا على شبكات الإرهاب. وتكاد دبي تصل إلى حفز الشعور بالعزة والكرامة العربية, عبر النجاح الاقتصادي, وليس التفجيرات الانتحارية. ولهذا السبب فإن قيادة دبي وأهلها, إنما يتوقون ويتحرقون شوقاً لاحتضان المستقبل, لا إلى نسفه وتدميره مثلما يفعل الإرهابيون اليائسون.
والمثير للسخرية عند النظر إلى حمى الحوار القومي الذي أحاط بصفقة "موانئ دبي", هو أنه وفيما لو كانت لـ"الديمقراطيين" –الذين يناصبون حرب بوش على العراق العداء- سياسة سلمية بديلة لحفز وتعزيز عملية التحول الديمقراطي في العالم العربي- الإسلامي, فقد كان ممكناً أن تطلق على تلك السياسة عن جدارة, تسمية "سياسة دبي" التي تهدف إلى دفع ماكينات ومحركات التحول العربي الناشئ من الداخل, والنابت من التربة العربية الإسلامية نفسها. لا غرو إذن, أن يفغر التقدميون والديمقراطيون العرب أفواههم حيرة ودهشة, إزاء سلوكنا الغريب وغير المبرر إطلاقاً!
وكما قال لي أحد أصدقائي المستثمرين العرب معلقاً على قصة صفقة دبي هذه: "لقد تركت هذه الصفقة شعوراً حاداً بالمرارة في أفواه الكثيرين. أعني أن كل هذا العنت الأميركي قد دار حول دبي. وبالله إن لم تكن دبي هي الصديق الأفضل ونموذج ال