المواضيع الأساسية للحوار الوطني اللبناني الذي انطلق منذ أكثر من أسبوع هي: مزارع شبعا، والمقاومة، ورئاسة الجمهورية، والعلاقة مع سوريا. أن تصبح هذه العناوين موضوعا للاختلاف والصراع والحوار ينبئ بحد ذاته عن التحولات التي أصابت لبنان والمنطقة. لكن بعيدا عن ذلك، من ناحية أخرى، سيلاحظ المراقب فورا أن الحوار الوطني اللبناني لا يشمل رئيس الجمهورية، إميل لحود. بعبارة أخرى، الرئيس اللبناني ليس طرفا في الحوار اللبناني، بل موضوع من مواضيع الحوار. وهذا ليس خيارا اختاره الرئيس، بل فرض عليه، أو فرضته الظروف التي أعقبت اغتيال رفيق الحريري، وخروج القوات السورية، والتوازنات السياسية التي أفرزتها تلك الظروف. ماذا يمكن أن يعني ذلك؟
سيقول لك كثير من اللبنانيين بأن هذا يعكس الطبيعة الديمقراطية للنظام السياسي اللبناني، وهي ديمقراطية لا تقف عند حد أنها لم تسمح للرئيس بأن يفرض خياراته، وأجندته على الحوار. الأكثر من ذلك أنها لم تسمح له حتى أن يكون طرفا في هذا الحوار. ذهبت أبعد من ذلك، لتجعل من الرئيس موضوعا للحوار. وهذه ميزة لم توجد، ولا توجد إلا في النظام السياسي اللبناني. لكن اللبناني الذي يقول مثل هذا الكلام سيقول لك كلاما آخر عن الموضوع نفسه، وهو أن بقاء الرئيس اللبناني في موقعه لفترة رئاسية ثانية لم يتم باختيار لبناني، وإنما فرض بالقوة والإكراه من قبل سوريا، أثناء ما يسميه اللبنانيون بمرحلة الوصاية السورية. نحن هنا أمام كلام متناقض! كيف يمكن لنظام سياسي أن يحتفظ بطبيعته الديمقراطية في الوقت الذي يكون فيه رئيس النظام مفروضا من قبل قوة من خارج النظام؟ سيرد اللبناني على ذلك بالقول إنه لهذا السبب حصلت الانتفاضة اللبنانية حتى يستعيد لبنان سيادته، وحريته، ومن ثم يستعيد ديمقراطيته. وفي هذا القول ما يومئ إلى أن الهيمنة السورية كانت السبب والأول والأهم الذي أفقد النظام السياسي اللبناني سمته الديمقراطية. وحقيقة الأمر أن طبيعة النظام السياسي اللبناني، من حيث أنها طبيعة طائفية أكثر، هي التي أتت بالهيمنة السورية، وليس العكس. هذا لا يجعل من النظام السياسي اللبناني مماثلا للأنظمة السياسية العربية الأخرى. هو يختلف عنها في شيء مهم، وهو مساحة الحرية التي يسمح بها. لكن مع ملاحظة أن هذه المساحة لا تستند إلى ضمانة دستورية، بل إلى حالة التوازن السياسي بين القوى والأحزاب الطائفية التي يتشكل منها النظام السياسي اللبناني. وهو توازن يفرض مساحة الحرية هذه. بعبارة أخرى، الحرية في لبنان ليست خيارا دستوريا اختاره وأجمع عليه اللبنانيون، وإنما هي أمر واقع فرض نفسه عليهم فرضا.
يختلف الرئيس اللبناني عن جميع رؤساء الجمهوريات العرب من نواحٍ عدة. الأولى أنه دستوريا لابد أن يأتي من طائفة معينة، هي طائفة المسيحيين الموارنة. أنه شريك في الحكم، ولا يملك حق الاستفراد بالسلطة. أن انتخابه يتم من خلال البرلمان. وهذه خصائص قد تبدو وكأنها تمثل مميزات للنظام السياسي اللبناني، وللرئيس اللبناني مقابل الرؤساء العرب. وكان ينبغي لها أن تكون كذلك. لكن الواقع أنها بقيت خصائص تجعل من النظام السياسي اللبناني مختلفا، من دون أن تضفي عليه كثيرا من التميز. لاحظ أنه مع هذه الخصائص هناك خصائص أخرى، تتوازن معها، وتحيد من فاعليتها السياسية. إحداها أن نفوذ بعض القوى والأحزاب الطائفية جعل منها أحيانا دولة داخل الدولة. أن سمة التوازن الطائفي سمحت للكثير من القوى والأحزاب أن تكون لها تحالفات مع الخارج بمعزل عن الدولة اللبنانية. أن هذه الترتيبات أضعفت الدولة اللبنانية إلى درجة أن قوى خارجية، وخاصة سوريا في العقود الأخيرة، كان لها دور فاعل، وأحيانا رئيسي، في توزيع المناصب السياسية على اللبنانيين، بما في ذلك رئيس الجمهورية. في هذا الإطار تحول دور البرلمان اللبناني في اختيار رئيس الجمهورية في العقود الأخيرة إلى دور شكلي في أغلبه.
يطلق اللبنانيون على نظامهم السياسي هذا صفة "الديمقراطية التوافقية". ويعنون بذلك أن لبنان، بحكم تركيبته الطائفية، لا يمكن أن يحكم إلا بآلية التوافق والإجماع بين الطوائف، وبمراعاة مصالح الجميع من دون استثناء. بهذا المعنى، لبنان، يقول اللبنانيون، غير قابل لحكم يقوم على مبدأ الديمقراطية، أو مبدأ الأكثرية مقابل الأقلية. حكم الأكثرية، كما يقولون، يؤدي إلى تهميش دور ومصالح هذه الطائفة أو تلك. وهم محقون في ذلك، لكن صفة "الديمقراطية التوافقية" لا تعني أبدا أن النظام السياسي اللبناني هو نظام ديمقراطي. هو نظام يتسم بالمرونة، ويوفر هامشا من الحرية، كما أشرنا، ويمكن أن يكون قابلا للتحول إلى نظام ديمقراطي. إلا أنه بصفته الحالية ليس كذلك على الإطلاق. ما يبدو من مظهر ديمقراطي في النظام السياسي اللبناني هو نتيجة لمقارنته مع بقية الأنظمة السياسية العربية، من حيث إنها أنظمة تتسم بالاستبداد وغياب الحريات. حقيقة أخرى غابت عن بال الكثيرين من اللبنانيين، أو ربما تجاهلوها، وهي أن فكرة "الديمقراطية التوافقية"