مع طلوع شمس الخميس الماضي يكون قد انقضى على وفاة المنوّر الكبير جمال الدين الأفغاني مئة وتسعة أعوام، وتمر هذه الذكرى في ظروف عربية وإسلامية تتسم بالظلامية والانكسار، وبحالة تكاد تُوْذن بانسداد الأفق في وجه الأمة. فالمشكلات الأخيرة التي خيمت على معظم البلدان العربية والإسلامية وانداحت نحو بلدان أوروبية، حملت بذور صراع ديني بين الغرب وبلداننا يقارب نمط الصراعات الصليبية. وقد قامت هذه الأخيرة -في حينها- بوظيفتين اثنتين، تمثلت أولاهما بتزوير طابع المصالح الاقتصادية والسياسية والتاريخية، التي جرى الاقتتال حولها بين الفريقين، في حين عبّرت الوظيفة الثانية عن كيفية اللّعب على "المقدسات" عبر زجّها في تلك الصراعات، وعن تحويل هذه إلى صراعات "بين الكفار والمؤمنين".
لقد نظر جمال الدين الأفغاني إلى الإسلام على أنه لا يُختزل إلى اعتقاد ديني، ذلك لأنه أكثر من ذلك. إنه كذلك "مدنيّة"، ومن شأن هذا أن يعني أن الغايات البعيدة من النشاط الإنساني تتمثل في "عبادة الله"، يداً بيد مع إنتاج "مدنية إنسانية" تحقق مطامح البشر في الازدهار والتقدم والرخاء. ولأن الفضل يمكن أن يأتي من جميع البشر بحيث يمكن تلقُّفه حتى "مِمّن يخالفوننا في المِلّة"، كما كان يقول ابن رشد، فقد أخذ الأفغاني يواجه مَن يواجه من البشر وفق "الفضائل التي ينتجونها"، دونما خوف من الوقوع في "عقدة الخواجة". ولهذا كان وارداً عنده أن يأخذ بفكرة "المدنيّة" من المفكر الفرنسي غينرو.
ولم يَقُدْ ذلك الموقف الفكري المنهجي جمال الدين الأفغاني إلى رفض الغرب على عواهنه، كما يفعل عادة أصحاب النظر الماضوي الأصولي، بل كان الرجل من الحكمة العقلانية التنويرية والإنسانوية بحيث اكتشف جدلية العلاقة بين الثقافات وأهمية التثاقف بين أصحابها على أساسٍ من الندّية والمساواة. وعلى هذا وفي ضوئه النظري وكذلك انطلاقاً من مصالح العرب والمسلمين، كان موقف الأفغاني متميزاً في كفاحه ضد الاستعمار الغربي.
وإذا كان الكلام وارداً على تأثيرٍ مارسه الأفغاني على الإمام محمد عبده، إلا أن شيئاً من التحفظ على ذلك يظل وارداً، ويتضح في أن الثاني كان أقرب إلى نموذج المفكّر المنظِّر، الذي لم يمنح شخصية "الفاعل- المناضل" أهمية خاصة، ربما لموقفٍ كان يأخذ به هو ويتجدد في أن المفكر تقوم مهمته على إنتاج الأفكار فحسب، وتقديمها لمن يحولها إلى نشاط عملي، سياسي أو تربوي، وغيره. وحيث كان الأمر على ذلك النحو، فقد فُتح باب الاحتمال لنشوء شرخ أو بعض الشرخ في العلاقة بين الأستاذ والتلميذ لا يجوز قصر أسبابه على كوْن الأول مفكراً مناضلاً وكون الثاني مفكراً. فلقد برز ذلك الشرخ خصوصاً في مناسبة وفاة الأفغاني، حيث ضنّ محمد عبده عليه بالمشاركة في تشييع جثمانه.
وثمة نقطة تثير الاهتمام والبحث، وتُفصح عن نفسها في أن الاتجاه العام الذي تبلور على صعيد الحراك الاستنهاضي والتنويري العربي والإسلامي، وأخذ يعلن عن احتمالات النكوص والتراجع والإخفاق، ما فتئ أن ظهر في حياة الأفغاني عموماً وخصوصا. لقد ظهر في أنه راح يتنصّل شيئاً فشيئاً -وفي لهب الصراع غير المتكافئ بينه وبين القوى الاجتماعية الكابحة للتقدم الفكري والديني والسياسي- من حالة كان يتحرك فيها "بوضوح بين صفوف المجدّدين، والديمقراطيين، والدستوريين"، كما يرى لويس عوض. ومع متابعة الأمر، يتضح أن الأفغاني يتعب من مسيرته الصعبة والمعقدة والتي راحت تعيش حالة من الاختراقات على أيدي الخصوم، حيث شرع في إعادة بناء خطابه الأيديولوجي الديني، ليقع تحت قبضة خطاب نصّي نقلي، يفرّط بما كان قد بذله من جهود مريرة في سبيل العقلانية والتنوير على صعيدي النص الديني والفعل السياسي. وعلى هذه الطريق، تستبد به فكرة التجدد "الذاتي"، دونما إقامة الجسور الثقافية الحضارية مع شعوب العالم، مؤسّساً بهذا مع آخرين لِما يأتي في قادم الأيام، ومنها أيامُنا المعيشة، من تضخّم لظاهرات التشدد والماضويّة والقطع مع التاريخ، وربما إضافة إلى النزعة التكفيرية.
إن المناسبة المعْنية هنا هي واحدة من فرص كبرى عديدة لإنتاج قراءة جديدة لنهضتنا المُجهضة، تتمثل في كونها قراءة عقلانية وتنويرية وديمقراطية تكون حافزاً لنا للدخول في العصر.