عند الحديث عن المسألة العراقية, ثمة سؤال واحد لا يزال عالقاً بانتظار الإجابة، وهو: هل تغادر أميركا, أم تبقى لمواصلة المشوار كما يقول الرئيس بوش وذلك بصرف النظر عن الوجهة التي يؤدي إليها الطريق؟ والأرجح أن تكون الإجابة الخاطئة –البقاء لمواصلة المشوار- هي المقدمة عن السؤال! ففي واشنطن وفي الدوائر السياسية القومية, ليس ثمة ما هو أصعب من مجرد المجادلة حول إمكانية أو ضرورة مغادرة القوات الأميركية للعراق, دون أن تقابل مجادلة كهذه بالتعيير، وبوابل من سهام النقد، من جانب "صقور" البيت الأبيض والصحافة اليمينية المنحازة لإدارة بوش! والملاحظ أيضاً انحياز القيادة "الديمقراطية" إلى معسكر الحرب, بصرف النظر عن الاعتبارات الانتخابية. وفيما يبدو, فإن القيادة "الديمقراطية" تأخذ بالاعتبار, الهيمنة المطلقة للجمهوريين على الحوار القومي الدائر بشأن الموقف من مسار ومصير الحرب في العراق. أو لنقل تحرياً للدقة, إن القيادة الديمقراطية تدرك أن غالبية الساسة الأميركيين, تنتمي إلى معسكر الحرب. ولذلك فإنه تصعب مناهضة الحرب والوقوف في وجه دعاتها ومناصريها. ويفرض هذا الموقف السياسي العملي نفسه, على رغم حقيقة اعتقاد الأغلبية الأميركية بضرورة الانسحاب العسكري من العراق, وعلى رغم اعتقاد نسبة 72 في المئة من القوات الأميركية المرابطة في العراق, في صحة قرار الانسحاب!
على أن هذا لا يعني شيئاً آخر سوى تحول النظام السياسي الحاكم في الولايات المتحدة الأميركية, إلى شكل من أشكال الـ"بلوتوقراطية" أي نظام حكم الأثرياء, الذي تسيطر فيه الشركات والثروات الحزبية على جهاز الدولة والحكم. وفي هذه الحالة فإن مصالح هذه الفئات, عادة ما تتناقض ومصالح الأغلبية العامة من المواطنين, بل ومصالح الجيش الذي يحمي ظهرها ومصالحها. ومما أثار ملاحظتي ودهشتي في آن, الصمت عن مناقشة هذا الأمر في أوساط الدوائر الرسمية في واشنطن, وكذلك غيابه عن وسائل الإعلام الأميركية, التي لا تبدو لها ممارسات الفساد المالي المتفشية في دوائر القرار الأميركية, باعتبارها ظاهرة مهمة في تحديد السياسات القومية, بقدر ما تبدو لها تلك الممارسات, مجرد ظاهرة قانونية تتكفل الإجراءات والتشريعات القانونية بحلها!
ثم هناك في أفق الأسابيع القريبة المقبلة, ضربة ثانية تنتظر إيران, وهي آخر ما يتمناه عامة الأميركيين أو يتطلعون إليه في هذا الوقت بالذات. لكن وبغض النظر عن موقف أو مصالح عامة الأميركيين, فإن المرجح أنها قد أرغمت على "شراء" تلك الضربة, من زمرة الإدارة الحريصة على إسقاط النظام الحاكم في طهران, مهما كان الثمن والتكلفة. أما بالنسبة للعراق, فلاشك في مشروعية الجدل حول قرار البقاء أو الانسحاب منه. ولكل طرف من طرفي الجدل حججه وأسانيده التي يستند عليها. وتكمن نقطة الضعف في المحاججة باستمرار بقاء القوات الأميركية هناك, في أنها بقيت لمدة ثلاث سنوات حتى الآن, لم تسفر إلا عن انفراط زمام الأمن وتصاعد عمليات العنف والقتل اليومي. ليس ذلك فحسب, بل لابد من الاعتراف بأن الأزمة التي يمر بها العراق الآن, إنما مردها للغزو الأميركي له.
ولا تزال واشنطن تأمل في تشكيل حكومة وحدة وطنية, قادرة على تسوية الخلافات والنزاعات الطائفية والعرقية والسياسية في عراق ما بعد الحرب. كما تأمل واشنطن في أن تكون حكومة بهذه الصفة, حليفاً استراتيجياً ثابتاً لها, بحيث تسمح باستمرار وجودها العسكري في العراق, بحجة لجم جماح العنف المدني المستعر الآن, على الرغم من حقيقة أن تدخل القوات الأميركية وغيرها مما يسمى بقوات التحالف الدولي, يكاد لا يذكر في وقف دوامة العنف اليومي الدائرة حالياً. ولكن يصح قول هذه القوات, إن المزيد من تدخلها لن يؤدي إلا إلى المزيد من العنف والمواجهات الطائفية والسياسية والعرقية, بين مختلف الفصائل والتيارات المتصارعة فيما بينها, إلى جانب تعريض حياة المزيد من المقاتلين الأميركيين وغيرهم من القوات الأجنبية لخطر الموت. فهذا تبرير منطقي، وفي منتهى الصحة والوضوح. غير أنه وفي الوقت ذاته, ينسف أي أساس أمني, تقوم عليه حجة استمرار الوجود العسكري في العراق.
ثم هناك حجة أخرى لتبرير هذا الاستمرار, هي المحافظة على الامتياز الأميركي, وفق ما يروج له البعض. والفكرة هنا تتلخص في اعتقاد هؤلاء, بأن خسارة أميركا كدولة عظمى وحيدة في العالم لسمعتها وامتيازها جراء انسحابها من العراق, سوف يسحب من تحت أقدامها هذا البساط, في أي بقعة أخرى من بقاع العالم. ولكن ألم يفكر هؤلاء في نقيض هذه الحجة: فهل في العناد، الذي لا يلد إلا العنف والفشل، امتياز لأي دولة صغرت أم كبرت؟! ولمجرد التذكرة والعبرة من دروس التاريخ, أقول لهؤلاء إن الامتياز لا يكون امتيازاً إلا حين يتوج صاحبه بتاج الاحترام واللياقة, وإن احترام العالم بأسره لأميركا لم يتعاظم إلا بانسحابها من فيتنام.
وفيما عدا هذه الاعتبارات, فإن الشاهد هو أن الدوافع الرئيسية لرغبة البقاء العسكري في العراق –وهى لم تعد