الرأسمالية العالمية نظام مريض... ولكن السؤال الذي لا يفتأ يتردد من حين لآخر هو: هل هذا المرض قابل للشفاء أم أنه ميئوس منه؟ والذي يدفع لتكرار هذا السؤال بين الفينة والأخرى، هو تلك الظاهرة المزعجة التي ازدادت سطوعا خلال السنوات الأخيرة، وهي الخلل المتفاقم في العلاقة بين العمل ورأس المال، والذي كان يظهر في صورة تناقص مطرد نحو مزيد من عدم المساواة بينهما. فهذان الغريمان القديمان كانا يمثلان دوما طرفي نقيض، وكان تناقضهما يتخذ في أحيان كثيرة طابع العنف.
وكما يقول جيفري فريدين في كتابه الرصين: "الرأسمالية العالمية: سقوطها وصعودها في القرن العشرين"، والذي نعرضه في هذه المساحة، فإن العمل ورأس المال تمكنا خلال الفترات التي شهدت مستوى عالياً من النمو بعد الحرب العالمية الثانية، من التعايش سويا وإن كان ذلك في حالة من التوازن القلق. أما خلال السنوات القليلة السابقة على الحرب العالمية الأولى، وقد شهدت إرهاصات مبكرة للعولمة، فإن العمل ورأس المال "عملا معا بشكل رائع على المستوى العالمي" كما يقول المؤلف. وعندما حلت "التجارة الحرة" محل النظام الميركانتيلي، وهو النظام الذي نشأ في أوروبا خلال تفسخ الإقطاعية، فإن الحواجز التي كانت تقف في وجه التجارة والهجرة انهارت في وقت متزامن تقريبا. وحول هذه النقطة يقول المؤلف: "إن المزارعين البولنديين والبرتغاليين غير المنتجين، الذين لم يستطيعوا المنافسة مع مزارعي القمح الكنديين والأرجنتينيين، تحولوا إلى عمال منتجين في العاصمتين وارسو ولشبونة، أو قاموا بدلا من ذلك بالهجرة والتحول إلى عمال صناعيين منتجين في تورنتو، أو عمالا زراعيين في سهول وبراري أميركا الجنوبية، مما ساهم في تدفق الاستثمارات على تلك المناطق".
بيد أن ما حدث في ربع القرن الأخير، هو أن رأس المال قد انسحب من هناك تاركا العمل يختنق في غبار تلك السهول والبراري. ما الذي أدى إلى ذلك؟ للإجابة على هذا السؤال، كان لزاما على مؤلف الكتاب الذي يعمل أستاذا للاقتصاد السياسي بجامعة هارفارد، أن يقوم بوضع الحالة الاقتصادية العالمية في سياقها الصحيح. وقد وجد المؤلف وهو يقوم بذلك أنه مضطر أيضا إلى الإجابة على أسئلة أخرى منها ذلك السؤال المحوري: هل من المحتم أن تفشل الرأسمالية هذه المرة كما فشلت في الماضي؟ وكانت إجابته على هذا السؤال أنه ليس من الحتمي حدوث ذلك... فالعولمة تسقط في حالة واحدة فقط هي عندما تتوقف عن إنتاج النمو، وهو ما لم يحدث حتى ساعتنا هذه... بل الملاحظ هو أن معظم الاقتصادات الكبرى في العالم، بل واقتصادات جديدة في مناطق أخرى تزدهر الآن بشكل متواصل. قد يكون كتاب فريدين الضخم المكون من 500 صفحة مرهقا في قراءته، ولكن الأمر المؤكد أنه واحد من أشمل الكتب التي تناولت موضوع الرأسمالية الحديثة، وأكثرها رصانة على الإطلاق. فهو يقدم وصفا شاملا وشديد الوضوح لعصر صعود وسقوط قاعدة الذهب، وخصوصا فترة الذروة من هذا العصر بين عامي 1896- 1914، وللفترة التي بدأت بعد اتفاقية "برايتون وودز" إثر نهاية الحرب العالمية الثانية، وأتاحت للاقتصادات الوطنية تحقيق بعض السيطرة على تدفقات رأس المال في الأجل القصير. وأظهرت اتفاقية "برايتون وودز" أن المجتمعات الصناعية الحديثة يمكن أن تنخرط في وقت واحد في اتباع سياسات اقتصادية سخية وسياسات رأسمالية السوق، والاندماج في اقتصاد العولمة في وقت واحد. ويرى فريدين أنه رغم التوترات التي أفرزتها ظاهرة الرأسمالية العولمية، فإنها لا تزال تمثل أقل الأنظمة الاقتصادية الموجودة سوءا. وبعد أن يتكبد مشقة كبيرة في إيراد تفاصيل الحكايات غير المعروفة إلا على نطاق ضيق مثل المحاولة التي قام بها "يلمار شاخت" وزير مالية هتلر لفرض السياسات القومية الاقتصادية في بواكير الثلاثينيات من القرن الماضي وغيرها، يتوصل المؤلف إلى خلاصة مؤداها أن "كافة البدائل الكبرى للتكامل الاقتصادي كان مصيرها الإخفاق في نهاية المطاف. ولكنه يقول مع ذلك إن نجاح العولمة ليس حتميا. ففي الفترات السابقة من العولمة، كان الاستقرار الذي نجحت في تحقيقه القوى العالمية المهيمنة، سواء أكانت الإمبراطورية البريطانية، أو الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، أمرا في غاية الأهمية من أجل تحقيق النجاح... وهو أمر قد لا يتوافر في كل وقت.
لكن هل قامت الولايات المتحدة باختطاف دور القيادة العالمية؟ يجيب المؤلف بقوله إن الأميركيين يعيشون في عالم وهمي تسيطر عليه النزعة الاستهلاكية الشاملة، المدعومة من قبل الأجانب الراغبين في الاستثمار في العملة الأميركية المقيّمة بأكثر من قيمتها الحقيقية. وهو يذهب إلى القول إن أميركا لا تستطيع أن تواصل هيمنتها على الاقتصاد العالمي إذا لم تكن محمية، لأن قوة العمل لديها والتي تعتبر أقل تعليما نسبيا مقارنة بدول أخرى متقدمة، لن تستطيع الاستمرار في إنتاج فوائض للتصدير في كافة القطاعات في نفس الوقت. والذي سيحدث بدلا من ذلك عندما يحدث تحول للقوة الاقتصاد