لماذا انهالت ألسنة الكثير جداً من الساسة والمعلقين الصحفيين الأميركيين بالانتقادات لصفقة "موانئ دبي", التي تشكل أول صلة من نوعها للشركة المذكورة بالموانئ الأميركية؟ فما أن نشر صحفي خبر استحواذ شركة "موانئ دبي" على المسؤوليات الإدارية عن خمسة من الموانئ الأميركية, حتى ثارت ثائرة عدد من أعضاء الكونجرس, وعبروا على الفور عن معارضتهم للصفقة, بزعم أنها تهدد بتقويض الأمن القومي. وما هي إلا ساعات معدودات لا أكثر, حتى سرت التصريحات حول لصفقة, سريان النار في الهشيم. فما أكثر الساسة الذين لحقوا بموجة التصريحات تلك!
في مواجهة هذه الحملة العمياء, حاول مسؤولو الحكومة شرح إجراءات المراجعة الأمنية للصفقة, من قبل لجنة ضمت ممثلين لاثنتي عشرة وكالة حكومية, أجمعوا كلهم على أن الصفقة لا تلحق أدنى أذى بالأمن القومي الأميركي. ولهذا السبب فإن من رأي المسؤولين الحكوميين أن كل الانتقادات الأمنية الموجهة إلى الصفقة, لا أساس لها من الصحة. والدليل على ذلك أن المسؤولية الأمنية عن الموانئ المذكورة ليست من اختصاص شركة "موانئ دبي" بأي حال من الأحوال. ومع تصاعد الحملة تدخل الرئيس بوش للرد على انتقادات المنتقدين, مدافعاً عن حيثيات قراره بالمصادقة عليها. وضمن ما بينه الرئيس في ردوده تلك, قوله إنها لا تمثل أي أذى للأمن القومي, طالما أنه سيبقى بيد ومسؤولية الجهات والهيئات الأميركية. كما استطرد الرئيس بوش إلى القول إنه وتحت كل الأحوال, لابد من إدراك أن دولة الإمارات العربية المتحدة, دولة صديقة للولايات المتحدة الأميركية, فضلاً عن كونها شريكاً قوياً في الحرب الدولية على الإرهاب.
لكن وعلى رغم ذلك كله, فقد دعا الكونجرس إلى عقد جلسات سماع عن الصفقة, مطالباً المسؤولين الأميركيين بتوفير المزيد من المعلومات والتوضيحات المطمئنة بشأنها. ومن جانبهم تقدم المديرون والمسؤولون التنفيذيون بشركة "موانئ دبي", بعرض مساعد من جانبهم, وذلك بمطالبتهم بإعادة مراجعة الصفقة, مما تمخض عنه تأجيل الموافقة النهائية للحكومة الأميركية عليها. وفي تلك الأثناء, أظهر استطلاع للرأي العام الأميركي, رغبة عدد من الأميركيين, في وقف تنفيذ الصفقة وتعطليها. فما الذي حدث, ولمَ رفض المنتقدون الاطمئنان للمعلومات التي قدمها لهم الرئيس بوش؟ عند تأملنا لما أحاط بهذه الصفقة, فإن هناك دروساً عديدة يمكن استخلاصها من هذه المجريات.
أول هذه الدروس, كثافة التسييس وطغيانه على عموم المشهد الأميركي الراهن, مع تأهب المعارضين الديمقراطيين لاصطياد كل فرصة لانتقاد الرئيس بوش, خاصة وأن انتخابات التجديد النصفي للكونجرس ستجرى في العام الحالي. وعلى رغم علم الديمقراطيين بالتراجع الملحوظ في شعبية الرئيس بوش خلال الأشهر القليلة الماضية, إلا أنهم يدركون أن مكمن قوته وقدرته في الفوز بتأييد القاعدة الشعبية, هو وقوفه القوي دفاعاً عن الأمن القومي الأميركي في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر. ولذلك فما أن نما إلى علمهم ومسامعهم خبر هذه الصفقة, حتى خيل إليهم أن إدارة بوش قررت التخلي عن مسؤولية حمايتها لأمن خمسة من كبريات الموانئ الأميركية وتسليمها لجهات خارجية, بكل ما تنطوي عليه خطوة كهذه في نظرهم من خطر على أمنهم القومي. ومن هنا كانت فرصة الديمقراطيين في الانقضاض على الرئيس بوش واتهامه بالعجز فيما نسب إليه من مكامن قوة رئيسية, أي عجزه عن حماية الأمن القومي للأميركيين, من خلال إصراره على إبرام الصفقة وتنفيذها.
أما ثاني الدروس المستخلصة من كل ما يجري الآن, فيتلخص في انضمام عدد من الساسة الجمهوريين, إلى حملة الانتقادات الموجهة للصفقة. وهؤلاء شأنهم شأن المعارضين الديمقراطيين, لم يرق لهم ما بدا في عيون الأميركيين من مظاهر ضعف وتفريط في الأمن القومي, من قبل رئيس جمهوري يمثل اسمهم وحزبهم. ويدرك هؤلاء الساسة الجمهوريون, أن الشعب الأميركي يثق بحزبهم أكثر مما يثق في الديمقراطيين, حين يأتي الأمر على حماية الأمن القومي. وبالتالي فهم يعون حقيقة أن قضية الأمن القومي, هي حصانهم الانتخابي الرابح باستمرار, منذ وقوع هجمات 11 سبتمبر. وبما أن السنة الحالية هي سنة تنافس انتخابي, فقد انضم هؤلاء الجمهوريون إلى معسكر الانتقاد, تحدياً للرئيس الجمهوري نفسه, لتأكيد عزم حزبهم وشدة بأسه وقوته في حماية الأمن القومي.
ثالثاً، وبسبب الطابع العاطفي المحيط بقضية الأمن القومي في الوقت الحالي, فقد انخرط الكثيرون في صفوف الحملة المناوئة للصفقة, حتى قبل أن يسمعوا بها جيداً, أو أن يلموا بتفاصيلها بدرجة تمكنهم من اتخاذ موقف إزاءها. ولكي نضرب أمثلة محددة على هذا الانجراف غير الواعي للبعض, فقد أنطلق في هذا السياق الديمقراطي هارولد فورد حملته الانتخابية التي يأمل في الفوز خلالها, بمقعد له في مجلس الشيوخ عن ولاية تنيسي في شهر نوفمبر المقبل. وفي سبيل استثمار الصفقة انتخابياً, فقد دشن حملة إعلانية تحمل صورة له وهو يقف أمام ميناء بالتيمور, بينما جاء في التعليق المكتوب له على