نشرت إحدى الصحف المحلية تحقيقا حول الأسباب التي تعرقل توطين الوظائف التخصصية الفنية، وكانت الردود متباينة، ورسمت تصورات وسيناريوهات مختلفة حول الأسباب التي تسهم في عرقلة توطين هذه النوعية من الوظائف. وباستعراض هذه التصورات نجد أنفسنا تلقائياً حبيسي فرضية جدلية قائمة على رؤية المواطن نفسه للعمل في هذه الوظائف، مقابل رؤية أصحاب الأعمال والمديرين الحكوميين لأداء المواطنين، وبين هذه وتلك يمكن أن نظلّ حبيسي دائرة مفرغة لا يبدو أن هناك فكاكاً منها، سوى عبر الهروب إلى البحث في الجذور الحقيقية للمشكلة، والتي تبدأ في واقع الحال بالتعليم ومناهجه باعتبارها أساس المشكلة، وإن كان ذلك لا ينفي وجود أسباب ومبررات فرعية عديدة ولكنها لا ترتقي إلى حدّ أن تكون أسباباً رئيسية.
الصور النمطية التقليدية لأداء المواطن في العمل لدى المديرين وأصحاب الأعمال، وكذلك الصور النمطية للمهن وبعض التخصصات الفنية، يمكن تعديلها وإعادة تشكيل الذهنيات عبر آليات وأدوات وقنوات مختلفة رسمية وغير رسمية، ولكن ذلك لن يحقق النتائج المرجوّة على المدى البعيد ما لم تتم إعادة النظر في مناهج التعليم وبيئته التي تشير إلى تدنّي التحاق الطلاب بكليات التقنية والهندسة والطب، مقارنة بكليات العلوم الإنسانية والاجتماعية. كما تشير إحصاءات أخرى إلى تدنّي مخصصات البحث العلمي ضمن ميزانية وزارة التعليم، في حين يذهب أكثر من 83% من الميزانية للرواتب فقط ويأتي البحث العلمي في آخر سلّم الأولويات، ناهيك عن الصمت حيال ممارسات المراكز غير المتخصصة التي تبيع لطلابنا "الأبحاث العلمية الجاهزة" أو "المعلّبة"، بما يسهم في القضاء على ثقافة البحث العلمي وغرس مفاهيم وقيم تكرس التواكلية في الأداء وتضرب أجواء التنافسية في مقتل، أضف إلى ذلك أن هناك نحو 200 مدرسة حكومية تعاني عدمَ وجود مختبرات علمية متكاملة، وأن بعض المختبرات عبارة عن فصل دراسي لا يحتوي على أبسط الاحتياجات اللازمة لإجراء التجارب العلمية، وأن العجز في أخصائيي المختبرات يقدر بنحو 400 أخصائي.
ومن الضروري كذلك الإشارة إلى أهمية عدم الاكتفاء بتسليط الضوء على غياب المختبرات في المدارس الحكومية فقط، بل ينبغي أن نتذكر واقع الحال في المدارس الخاصة التي يتبنّى معظمها نهجاً تقشفياً بالغ الخطورة لجهة تأثيراته السلبية في مخرجات التعليم، حيث تتحوّل المختبرات والمكتبات وقاعات الحاسب الآلي إلى "ديكور"، لزوم استخراج الترخيص والتفتيش والدعاية واستنزاف جيوب أولياء الأمور، في حين أن هذه القاعات تظل خاوية ولا تفتح سوى في "المناسبات البروتوكولية"، وفي أحسن الأحوال، فإن التلاميذ لا يمتلكون فرصا حقيقية للاطلاع المكتبي وإجراء التجارب العلمية بأنفسهم!!.
لقد انشغل الجميع طيلة سنوات مضت بالحديث عن "الرؤى" التعليمية المستقبلية الخارقة، في حين كان واقع الحال مهترئا، وأفرز شروخا نفسية بين الطلاب والعلوم التطبيقية الحديثة، وأسهم في غرس "ثقافة" الحفظ والتلقين، ما عمّق بالتبعية، وعلى مدار سنوات مضت، مشكلة عدم توافق مخرجات التعليم العالي مع احتياجات سوق العمل، حيث تشير الإحصاءات إلى أن (75%) من الخريجين يصنّفون ضمن التخصّصات الأدبية والنظرية!!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عن نشرة "أخبار الساعة" الصادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية