الحديث الذي أدلى به وكيل وزارة الخارجية الإيرانية، مهدي مصطفوي، بمقر السفارة الإيرانية بالدوحة، وحضر معه المؤتمر الصحفي أيضاً مساعد رئيس هيئة الطاقة النووية الإيرانية، هذا الحديث يجب أن يتحول إلى لغة عمل. فالرجل يقول:
إن علاقات بلاده مع دول الجوار مبنية على أساس عقائدي وعلى أساس مصالح شعوب المنطقة، وهي علاقات موجودة قبل أن تُكتشف أميركا ولا تستطيع أي قوة أن تمنع استمرار هذه العلاقات الأخوية التي تجمع دول المنطقة المطلة على ضفاف الخليج. وأضاف: إذا أعلن مجلس التعاون الخليجي ضرورة إخلاء منطقة الخليج من أسلحة الدمار الشامل، فإن هذا الإعلان يتماشى مع عقيدة إيران، لأن العالم كله يجب أن يكون خالياً من أسلحة الدمار الشامل. (انتهى).
كلام المسؤول الإيراني جميل، ولقد أعلن مجلس التعاون لدول الخليج العربية، موقفه الواضح من قضية إخلاء المنطقة من أسلحة الدمار الشامل، في اجتماع المجلس الوزاري الأخير بالرياض قبل أسبوع. إذن، إذا كانت العلاقات بين إيران وجيرانها تضرب في عمق التاريخ -كما هو الواقع الذي ذكّر به المسؤول الإيراني- فلماذا لا تغلّب إيران الوشائج العقائدية المتمثلة بالانتماء إلى الإسلام وعقيدته السمحاء، التي تحض على التسامح والتعايش السلمي، وحقوق الجار، ونصرته، والعمل على حمايته؟ لماذا لا تغلّب إيران هذا الجانب، وتستمع إلى صوت العقل، الذي ظل يناشدها منذ أكثر من عشرين عاماً للنأي بالمنطقة عن بؤر التوتر، وإقامة علاقات حسن جوار مع جيرانها؟ وضمن هذا التوجه، وعبر حوار العقل الهادئ لم تستجب إيران للدعوات المتكررة من دولة الإمارات العربية المتحدة لحل مشكلة احتلال إيران لجزر الإمارات الثلاث، عن طريق الحوار أو اللجوء إلى القضاء الدولي؟ ولعلنا هنا نشير إلى ترحيب مجلس التعاون برغبة إيران الإسلامية في تحسين وتطوير علاقاتها مع دول مجلس التعاون كافة. ويؤكد المجلس أهمية العمل بجدية وواقعية لحل الخلافات المعلقة بين إيران والدول الأعضاء، كما جاء في بيان قمة الدوحة عام 1990. ولعل أهم الدعوات الخيّرة -التي تنبع من أصول العلاقات الإسلامية التي أشار إليها المسؤول الإيراني- هي دعوة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، بعد فترة قصيرة من تسلمه قيادة الدولة. وإذا ما تناولنا الاحتلال كمصطلح وممارسة، فإن موقف إيران من جزر الإمارات الثلاث لا يختلف عن الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية في فلسطين -الذي تعارضه بشدة إيران وتموّل جهات لزعزعته- أو الاحتلال الأميركي لأفغانستان أو العراق.
من هنا، فإن تفعيل تصريحات المسؤولين الإيرانيين على أرض الواقع، هو السبيل العملي للتقارب الإيراني- الخليجي، ولسدّ الطرق أمام القوى الكبرى للتواجد في المنطقة، وهو ما تعارضه إيران! نحن أمام حقيقة واضحة، وهي أن إيران تريد العودة إلى دور شرطي الخليج، وهو أمر مرفوض إقليمياً ودولياً وشعبياً. وما يدعم هذا الزعم، عدم تجاوبها مع الدعوات السلمية لحل قضية احتلالها لجزر الإمارات، وإعلانها التدخل العسكري في أي بلد خليجي، كلما ظهر مقال أو كاريكاتير يتناول شأناً إيرانياً -كما حدث مع الكاريكاتير الذي صدر بإحدى الصحف البحرينية قبل فترة- حيث هددت إيران باللجوء إلى القوة العسكرية حينئذ.
إذن هنالك تناقض بين ما يصرّح به المسؤولون الإيرانيون، وما يجري داخل دهاليز السياسة ووزارة الدفاع الإيرانية. ونأتي للموضوع المهم أيضاً، الملف النووي الإيراني. فتصريح المسؤول الإيراني يبشّر باتجاه جديد وإيجابي في قضية الملف الإيراني، وهو لا يختلف عن موقف مجلس التعاون الداعي إلى إخلاء المنطقة من أسلحة الدمار الشامل. وإذا كانت عقيدة إيران -كما ورد على لسان المسؤول الإيراني- تتماشى مع إعلان مجلس التعاون، فلماذا كل هذه المماطلة مع اللجنة الدولية؟ ولماذا تعلن إيران تحديها للعالم بتخصيب اليورانيوم (6 فبراير 2006)؟ ويخرج أمين سر المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني (علي لاريجاني) ليهدد بقوله: "إن الذين دعوا إلى عقد اجتماع عاجل لمجلس حكام الوكالة الذرية يجب أن يدفعوا ثمن تصرفاتهم".
ثم يأتي -في نفس اليوم- الرئيس أحمدي نجاد ليقول: "إنهم (دول الغرب) غاضبون جداً منا، لكن هذا ليس مهماً لنا، لأنهم لا يستطيعون أن يفعلوا شيئاً، ولسنا خائفين منهم". ويضيف: "لو كانوا يستطيعون أن يفعلوا شيئاً ضدنا لما أضاعوا الوقت في إعداد المسرح".
هذا كلام يختلف جداً عن كلام المسؤول الإيراني الذي بدأنا به المقال. وهو يصبّ في دائرة التناقضات في المواقف الإيرانية، لأن إيران تدرك بأن للغرب علاقات وثيقة مع دول مجلس التعاون، وأن أي إساءة أو توتر في العلاقات بين إيران ودول الغرب وأميركا ستنعكس سلباً على العلاقات بين إيران ودول مجلس التعاون. ومن هنا نحاول أن نبيّن مدى خطورة تناقض المواقف، أو التلاعب بالألفاظ، حسب مكان التصريح.
ونحن هنا لا نختلف مع رأي (تشارلز كبتشان) –"الاتحاد" 3/3/2006- بأنه لا يجوز للولايات المتحد