لم أعرف أن التقاعد نعمة إلا بعد "الممارسة" العملية, وتبين حقيقة أن الذين يشتكون لا يفهمون فلسفة الحياة. وقد شهدت أثناء دراستي في المملكة المتحدة قبل ثلاثين عاماً حالة تقاعد اسكتلندية حيث كنت أدرس, وذلك حين أخبرني جاري اللطيف,"دو يو بيليف" مستر بغدادي: "آيام ريتايرد فروم تودي", يعني بالعربي الفصيح, "أنا أصبحت متقاعداً منذ اليوم", وحيث إنني كما يقول العندليب الأسمر "وأنا ما عندي تجربة", فلم أستوعب سبب البؤس الذي كان بادياً في عينيه, وتجاهلت ما قاله, جهلاً بالطبع, وماذا في ذلك؟ على الأقل ترتاح من انتظار الباص كل يوم. ونظراً للاختلاف الثقافي لم يستوعب ما قلت ولله الحمد. وفي صباح اليوم التالي وجدته ينتظر الباص, فقلت له متعجباً, ألم تتقاعد؟ قال: "نهم", لكن أحتاج وقتاً للتعود على التخلص من عادة مارستها أربعين عاماً. فقلت في نفسي, أربعين عاماً! لا عجب إذن أن بقي الإنجليز في مصر خمسة وسبعين عاماً بعد سقوط ثورة أحمد عرابي, ويومها قالوا عن وجودهم في مصر, إنه إجراء مؤقت! كم سنة سيحتلون مصر لو كان إجراءً دائماً؟ المهم في الموضوع أنني لم أفهم ما يعنيه التقاعد آنذاك. وتخرجت وعملت بالجامعة قرابة الربع قرن, وتقاعدت من العمل لأكتشف أن صاحبي الإنجليزي "ما عنده سالفة", وأن التقاعد في البلاد الخليجية يفترض أن يكون هو الأساس لا العمل, لأن الموظف يقضي أيام عمره, يعدد أياماً, ويقبض "راتبا", وهو نفس العمل الذي يؤديه وهو متقاعد, حيث يعدد نفس الأيام, لكن يقبض "معاشا" أقل, لأنه بطالته حقيقية وليست مقنعة كما في وزارات الدولة الحديثة. والمبلغ الذي يقبضه المتقاعد يسمى معاشاً, لأنه يعتاش عليه, ويسمى أثناء الوظيفة مرتباً, لأن الموظف يرتب أحواله به! وفقا لوصف موظف التأمينات الاجتماعية .
لمن لا يعلم, مزايا التقاعد كثيرة. أولها وأهمها, عدم الحاجة للاستيقاظ في الصباح للذهاب للعمل. وثانيهما, توفير البنزين, وثالثهما, تقليل احتمالات الحوادث, ورابعها, راحة الأعصاب بسبب غباء بعض السائقين, أو تهورهم في القيادة. وأخيراً غنيمة الابتعاد عن الهم والغم في مجال العمل, لأن العمل في المؤسسات "العرباوية" مليء بالتوتر والمشاحنات الشخصية, وعدم الإنتاج. والتقاعد فرصة ثمينة للعودة للطفولة الجميلة باللعب مع الأحفاد, وقضاء الوقت مع الأصدقاء في القهوة ليلاً أو نهاراً .
أما على المستوى الشخصي فقد استفدت من التقاعد بالتعرف على صديق جديد هو الحاسوب باللغة العربية, أو الكمبيوتر, وحققت أخيراً رغبة الإخوة في جريدة "الاتحاد" بإرسال المقالات عبر البريد الالكتروني, واللطيف أنهم لم يصدقوا بادئ الأمر, وبصراحة, أنا نفسي لم أصدق نفسي لأني من أشد المعارضين لتعلم استخدام الكمبيوتر, جهلاً, أعاذكم الله. والآن دخلت عالما جديدا هو, عالم المواقع الإلكترونية, حيث يمارس الإنسان العربي حريته في الكتابة بعيداً عن الاستبداد.
ومن خلال هذه المواقع تعرفت على كتاب جدد, وازداد التواصل مع القراء, وتلقيت الكثير من الشتم من المؤدبين من أتباع التيار الديني. المهم أنه عالم جديد, ما كان لي أن ألج إليه لولا حادثة التقاعد الجميلة.
التقاعد جميل لمن أدى ما عليه وظيفياً, وأسرياً, وأنه قد حان الوقت ليلعب في الوقت الضايع, حراً طليقاً من هموم الدوام اليومي. لهذه الأسباب مجتمعة التي قد لا يتفق معي كثير حولها, يجب على الحكومات أن ترفع شعار "تقاعدوا تصحوا", لمن أكمل خدمة ثلاثين عاماً في الخدمة الحكومية.