تذكرت في هذه الأيام قصة ذلك الرجل الذي أمضى ما يقارب ربع قرن في مخبأ تحت الأرض، هربا من القمع والاضطهاد الذي كان يمارسه صدام حسين، ضد كل من يحاول أو يفكر في مخالفة أوامر الديكتاتورية الفاشية في العراق· ذلك الرجل خرج من الكهف بعد أن سقط النظام الحاكم، لقد شاهد الآلاف من البشر الكيفية التي عاش فيها ذلك الإنسان المقموع من قبل نظام رفع العديد من الشعارات إلا أن ممارسته اليومية تؤكد على أنه ضد الإنسانية·
اليوم شاهد الملايين ذلك الديكتاتور، المتكبر والذي لم يكن من المتصور أن تكون نهايته، نهاية رجل جبان، أو في أحسن الأحوال نهاية لا يتحملها أي إنسان لديه ذرة من الكرامة· إلا أن هذه النهاية تؤكد من جديد على أهمية الديمقراطية والعدالة وتطبيق المساواة بين كافة المواطنين بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية أو العرقية أو توجهاتهم الأيديولوجية· ألم تكن لدى ذلك الطاغوت فرصة تاريخية في العقد السابع من القرن الماضي؟
كان العراق أرض الخيرات والتعددية، ويمتلك كل مقومات التنمية والتقدم، سواء من توفر رؤوس الأموال والمياه والعقول المبدعة· كان من الممكن أن يكون العراق جنة الله على الأرض، إلا أن بروز شخصية الطاغوت، وعطشه للسيطرة والهيمنة بدأت بتصفية كل المعارضين لاتجاهاته نحو تدمير العراق، وخلق حكم الفرد·
لقد تلاعب بمصير الأمة بكاملها، وأدخل المنطقة في مرحلة من عدم الاستقرار، والحروب المستمرة، والتي ساعدت على دخول القوات الأجنبية إلى المنطقة، وشردت الآلاف من البشر من وطنها إلى الشتات، وخلق الإنسان الخانع الذليل، ودمر ابتسامة الأطفال، وازداد الجوع، وانتهكت أعراض النساء من قبل وحوش على شكل بشر· كم كان مؤلماً وضع الشعب العراقي العظيم، ذلك الشعب الذي لم يعرف الذل والمهانة إلا في عهد حكومة الديكتاتور ومن ورائه حزب >البعث< في العراق، والذي مارس كل أنواع التنكيل والإرهاب· كم كانت ممارساتهم تدل على أنهم أفراد مرضى نفسيون مصابون بجنون العظمة· إن النهاية التي وصل إليها صدام حسين لا تخرج عن إطار نهاية كل حاكم ظالم وفاسد ويمارس الديكتاتورية والقمع ضد شعبه، ويتلاعب بتاريخ شعبه، وعلى رغم كل الأخطاء التي ارتكبها لم يستوعب أنه يسير بعكس التاريخ، ولم يكن قارئاً جيداً للتاريخ· ألم يدرك أن التاريخ العربي و الإسلامي قد دون نهايات كل الجبابرة والطغاة والديكتاتوريين؟! وأن عجلة التاريخ تقف دائماً مع الشعوب مهما كانت قوة أولئك الطغاة، ولعل التاريخ العراقي يشهد على ذلك·
إن المطلوب حالياً أن تكون هنالك محاكمة عادلة يتم من خلالها أخذ حق الشعب العراقي، والشعوب الأخرى التي مارس ضدها كل أنواع القهر والإرهاب، وهذا هو الحق التاريخي للشعب العراقي· أما أن يبدي البعض التعاطف مع الديكتاتور، في لحظة اهتزت فيها صورة ذلك الشجاع والفارس القوي، والذي كان يظهر كصورة فارس من فرسان العصور الوسطى، نعتقد أن آلاف الجماجم والبشر ممن هم بين الحياة والموت لن يغفروا له الجرائم التي ارتكبها على مدى أربعة عقود من الزمان·
سواء كانت المحكمة في العراق أو في أي مكان آخر، فإن النهاية كانت لرجل جبان، لعب بمصير الأمة سواء على المستوى العراقي أوالعربي، والمطلوب أن تكون المحكمة علنية حتى يكون عبرة لمن يعتبر، ومن المهم أن يعيش الشعب العراقي حراً وسعيداً وأن يحقق طموحاته في أن يكون له موقع تحت الشمس·
إن سقوط صدام حسين أسيراً بيد قوات الاحتلال قد يكون الصفحة الأخيرة من حياة إنسان جاء من البؤس وعاد مرة أخرى من حيث جاء، وللأسف أكد على فشل مشروع الطبقة الوسطى والتي كان من الممكن أن تجد لها مكاناً في قمة التاريخ لا أن يكون مكانها في مزبلة التاريخ· فهل يمكن أن نتساءل ماذا قدم صدام حسين للأمة سوى تلك النهاية التي لا تليق بإنسان يحترم دينه؟