صحيح أن النظام السياسي هو النظام الديمقراطي الأعــــرق فــــي المنطقـــــة العربية، ولفترة طويلة من الزمن كان النظام الديمقراطي الأوحد. أسماء كثيرة أطلقت على هذا النظام وأسباب عديدة وتفسيرات مختلفة أعطيت لهذه الديمقراطية وأبرزها التنوع الطائفي والثقافي والسياسي في لبنان، وبالتالي الانفتاح على الغرب كما على الشرق، والقدرة على التفاعل معهما، من خلال المسيحيين والمسلمين معاً مع دور مميز ومهم للمسيحيين فيه، رافق النهضة التي عاشتها دول في المنطقة من جهة، والتطور العلمي والفكري والثقافي واللغوي والتربوي الذي شهده لبنان لفترة طويلة من الزمن من جهة ثانية. ومن أسباب هذه العوامل أيضاً وفي المراحل التاريخية التي مرّ بها لبنان، الظروف الدولية والإقليمية التي كانت تحيط بالمنطقة والصراع عليها المستمر حتى اليوم، قبل نشوء إسرائيل وبعدها. وبالتالي التوازنات التي كانت تفرض نفسها، ولذلك اعتدنا وفي ظل كل أزماتنا على حضور الخارج العربي أو الدولي.
ومن الطبيعي أن تكون الأنظمة المحيطة بنا لا ترتاح إلى الديمقراطية عندنا. لأنها قامت على أسس مختلفة، ولأن طبيعة الحكم فيها مختلفة. وبالتالي كانت هذه الأنظمة تخشى انتقال العدوى إليها. ولا ترتاح إلى التنوع والتعدد الإعلامي وإلى دور الصحافة خصوصاً، حتى أن البعض وعند كل أزمة ومفترق في لبنان، أو عند كل أزمة عربية كان يحمـّل الصحافة اللبنانية المسؤولية، ونظراً لتأثيرها الواسع، على الساحة اللبنانية التي كانت منبر العرب كلهم، لأن لبنان كان موئلاً لكل الأحرار والديمقراطيين، ومركز النشر الأول في المنطقة لكل الأفكار والكتب والأطروحات والمؤلفات وجسر التلاقي مع الخارج.
ومن المؤكد والطبيعي أن تستهدف إسرائيل أيضاً الديمقراطية والتنوع في بلادنا. فهي نشأت على أساس عنصري، وقامت على أنقاض شعب عريق، فقتلت أبناءه وهجرتهم وصادرت أراضيهم وتعتبر نفسها دولة عرق مميز في العالم وعلى الأرض، وتريد أن تضعف كل ما هو حولها لتستقر آمنة ولتهيمن لاحقاً وتمسك بزمام الأمور. ولذلك فإن مشروعها هو مشروع التفتيت وافتعال الأزمات والحروب وهز الاستقرار في كل مكان واتهام العرب والمسلمين بالتخلف والجهل والعصبية والأصولية والتطرف لتبرر سياساتها الإرهابية ضدهم. ومن هذا المنطلق كانت إسرائيل تستهدف لبنان وديمقراطيته وكل محاولات التغيير الديمقراطي فيه. ومن هنا كانت إسرائيل ضد مشروع التغيير الديمقراطي الذي قاده الشهيد كمال جنبلاط على رأس الحركة الوطنية اللبنانية، والذي أفشل نجاحه التدخل السوري في لبنان في لحظة تقاطع مصالح سورية أميركية إسرائيلية، وكان عرَّاب الاتفاق وزير خارجية الولايات المتحدة الأميركية السابق هنري كيسنجر الذي هندس التفويض الذي أعطي للتدخل السوري واستمر لعقود من الزمن.
كل هذا صحيح، لكن الأصح أيضاً أن اللبنانيين يتحملون مسؤولية كبرى لأنهم وخصوصاً في مرحلة ما بعد استقلال 43 لم يعرفوا كيف يحمون نعمة الديمقراطية والتنوع ونعماً أخرى في الطبيعة والاقتصاد والتربية والتعليم والصحة ميزت بلدهم. نعم، القيمون على الأمور في تلك المرحلة، وباستثناء تجربة واحدة لم يكتب لها النجاح الكامل وتمت في مرحلة معينة على حساب شيء من الديمقراطية أدى إلى إجهاضها هي مرحلة فؤاد شهاب، لم يعرفوا كيف يوفرون الاستقرار والاستمرار في تطوير تجربتهم السياسية وفي حماية مميزاتهم وإسقاط الاستهدافات الخارجية من أية جهة أتت.
كثيرة هي الأمراض التي عانينا منها لكن المرض الأخطر هو التمديد لرئيس الجمهورية والذي كان يعود إلى الظهور والتفشي كل ست سنوات في الحياة السياسية اللبنانية. مرض هدد البلاد أثناء حكم الرئيس بشارة الخوري أول رئيس بعد الاستقلال، ثم أثناء حكم كميل شمعون، وكادت تحصل مشاكل كبرى مع انتهاء ولاية الرئيس فؤاد شهاب، فاستمر من خلال شارل حلو الذي حصلت مشاكل كثيرة في عهده، ثم حصلت المشاكل الأكبر والأخطر في عهد سليمان فرنجية وخرج من قصر بعبدا بعد انتخاب رئيس للبلاد قبل انتهاء ولاية فرنجية واضطراره إلى مغادرة القصر الذي تحول إلى هدف رئيسي في المعارك التي كانت دائرة. يسجل للرئيس إلياس سركيس وحده أنه رفض التمديد والبقاء للحظة واحدة في بعبدا بعد انتهاء ولايته وكانت البلاد تحت الاحتلال الإسرائيلي. صحيح أن الثمن كان انتخاب بشير الجميل رئيساً للجمهورية في ذلك الوقت وفي ظل معادلة سياسية صعبة ومعقدة وفي ثكنة يطوقها الجيش الإسرائيلي، لكن الرئيس سركيس رفض التمديد. وبعده، كانت أزمات تمديد لم يحصل مع الرئيس أمين الجميل. ثم وبعد اتفاق الطائف، أزمة في عهد الرئيس الهراوي انتهت بالتمديد له لتبدأ أزمة جديدة في البلاد، حصلت باختيار سوري لإميل لحود رئيساً للجمهورية وانتهت بأزمات كبرى مع التمديد الثاني لرئيس جمهورية لبنان في سبتمبر 2004. ومنذ ذلك الوقت والويلات والكوارث تحل بنا.
لقد بات عدد كبير من السياسيين الموارنة يتحدثون عن خطر هذا الكرسي على الطائفة ولبنان نظراً لشهوة ال